الأربعاء، 24 أبريل 2013

القضاء والقدر الإلهي المحاضرة رقم 4



القضاء والقدر الإلهي المحاضرة رقم 4
كتبت هذه المحاضرة من محاضرة صوتية ألقيت قبل سنوات في الكويت
لسماحة الأستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني
**************************************************
كنا في الحديث المشهور عن أمير المؤمنين علي (ع) المعروف بحديث الأصبغ بن نباتة لما عاد علي (ع) من حرب صفين فوصلنا في الحديث إلى هنا (إن الله تعالى أمر تخييرا ، الله سبحانه وتعالى أمر بالواجبات والمستحبات وجعل الإنسان مختارا يتمكن أن يقوم ويمتثل هذه التكاليف وأن يمتنع من الإمتثال ومعنى هذه الكلمة بحسب ما نفهم أن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان صفة العلم والقدرة والإرادة فجعله مختارا ومن بعد ما صيره مختارا أمره بالطيبات والمستحبات وغيرها من الأمور الطيبة، (إن الله تعالى أمر تخييرا ونهى عن القبائح تحذيرا) ونهى الإنسان عن كل قبيح وحذره عن مثل هذه الأمور ولا يحذر الإنسان المجبر على شيء الذي لا يتمكن من التخلص منه ونهى عن القبائح تحذيرا ثم قال (ع) : (وكلف يسيرا) يعني وكلف الإنسان تكليفا سهلا حتى يكون الإنسان قادرا على امتثاله على القيام به ثم قال (لم يحصر مقلوبا) ثم ردا على تصور الفوضة الذين تصوروا أن الإنسان قد فوضت له أعماله فالله مهيمن على كل شيء سوى الأفعال البشرية فإن الله شاء أن تخرج من إرادته وسلطانه فردا للمفوضة قال (ع) ولم يحصر الله مغلوبا يعني إنما تمكن الإنسان من أن يعصي الله وأن يخرج من الموازين الإلهية بمشيئة إلهية لا أن الله أصبح مغلوبا ومقهورا لا يتمكن من ردع الإنسان فيما يفعله من القبائح فإذن الطاعة إنما كانت من الإنسان لأن الله منحه الإختيار والمعصية إنما تصدر من الإنسان لا لأن الإنسان أصبح سالكا عن السلطان الإلهي هو أيضا تحت القبضة والسلطان الإلهي لكن الله شاء اختبارا أن يجعله مختارا ولو كان يختار الظلالة والغواية والعصيان وبالأمس قربنا المسألة نحوا ما بهذه الكلمات وهي بحول الله وقوته أقوم وأقعد ، قيامي هو قيامي وقعودي هو قعودي لكنه بحول أي بمشيئة وفيض إلهي أي شاء الله بالنسبة إلى الإنسان أن يكون مختارا ومن بعد ما صيره مختارا صار بمشئية إلهية بحول وقوة إلهية يقوم بما منحه الله من سلطان القيام والقدرة ويقعد بما منحه الله من سلطان يتمكن بواسطته أن يقعد لم يحصى مغلوبا (ولم يطع مكرها) ثم يشير علي (ع) على أن الله تعالى ما أراد من الناس أن يطيعوه مكرهين على الإطاعة فالأولى رد لشبهة المفوضة والثانية رد لشبهة المجبرة، لم يحص مغلوبا رد لشبهات المفوضة ولم يعص مكرها رد لشبهات المجبرة الذين توهموا من الشرع أنه يشير إلى الجبر وسنتكلم إن شاء الله من بعد ما نمهد الطريق بواسطة روايات أهل البيت وبواسطة ما يدل على الإختيار سنأتي ونتكلم بقدر الإستطاعة عن أدلة المجبرة وعن أدلة المفوضة ردا شرعيا بمقاييس الكتاب والسنة وردا حكميا بمقاييس الفلسفة والعرفان ولم يطع الله مكرها (للعباد وللخلق) من أطاعه أطاعه باختيار منه ومن عصاه عصاه باختيار منه لكن لا أنه فلت من القيومية الإلهية فالسلطان الإلهي نافذ في كل شيء ،الله شاء أن نكون عالمين قادرين مريدين أي مختارين ثم قال (ع) : (ولم يرسل الرسل عبثا) لو كان الإنسان مجبورا على الطاعة كما توهم المجبرة لكان بعث الأنبياء عبثا، لامعنى لبعث الأنبياء والدعوة إلى الصلاح لمن لا يتمكن من السير بنفسه لا إلى صراط مستقيم ولا إلى الضلالة والغواية فيقول (ع) من بعد ما قال لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله ولا محمدة لمحسن ولا مفسدة كما تقدم بالأمس جاء فعقب الكلام قائلا (ولم يرسل) أي الله سبحانه وتعالى (الرسل عبثا) يعني لو كان جبرا لكانت الرسل عبثا (ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا) السماوات والأرض كأنما خلقتا من أجل وجود عظيم وهو الوجود الإنساني ليختبر على سطح هذه الأرض فهيأت الأمور من أجل أن يكون الإنسان مختارا لكي يمتحن ويختبر فإذا امتحن تمكن بعد ذلك أن يسير إلى مدارج العلو وإذا انتهى اختبار الإنسان على وجه هذه الأرض ستطوى هذه السماوات والأرضين وهذا مما يدل على أن الغاية من هذه الأرض ومن سماء هذه الأرض ومن كل ما يدور من محاور هذه المنظومة المعينة إنما جاء به الله سبحانه وتعالى وخلقه مقدمة لخلق عظيم وهو الإنسان ولا يتوهم الإنسان على أنه بما هو هو إنسان له مكانه هذه الصين بملياراتها وهذه الهند كذلك وهذه البشرية كذلك لا قيمة لهم بل الكثير من الناس الأنعام أهدى منهم (يا علي لو يهدي الله بك رجلا واحدا لكان خير مما طلعت عليه الشمس) بشرية بقرونها وأجيالها لا تعادل أباذر، بشرية بأجيالها لا تعادل ميزان عدل كمالك (وهل موجود كمالك) (عقمت النساء أن يلدن كمالك) , (ليس فيكم إثنين كمالك) الأمير عليه السلام يبدل الأمة الإسلامية التي لم تعِ الحقيقة فضلا عن بقية الأمم بيهودها ونصاراها وبجهالها من عبدة الأوثان وأمثالهم لا يبدلون ولا يقيمون بميزان عدل كمالك فإذن ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا يعني لو لم يكن الإنسان مختارا ومتمكنا من السير والعروج نحو الحق سبحانه وتعالى بإرادة ومشيئة أو نحو الحضيض بإرادة ومشيئة لكان خلق السماوات والأرض المختصة بهما أو لعل الخلائق جميعا لكان عبثا وباطلا ستطوى السماوات والأرض من بعد ما ينتهي اختبار الإنسان وستؤدي الأرض أمانتها من بعد ما يختبر الإنسان فكل شيء مسج لا يزاد ولا ينقص منه شيء ليوم حشر عظيم هكذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق موجودا عظيما يكون مثلا على وجه الأرض وخليفة لله يحمل الأسماء والصفات الإلهية فيكون قرانا ناطقا وإلا فلا قيمة لمخلوق ولا قيمة لأي إنسان والروايات والايات اكبر دليل أن الإنسان إذا انحرف الدواب أرقى منه دركا (ذلك ظن الذين كفروا) التفويض والجبر هو ظن الذين كفروا (فويل للذين كفروا من النار) فقال الشيخ مخاطبا لعلي (ع) (فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما) لم أفهم لحد الان الكلام المتقدم أنت قلت يا علي أن ما من شيء ولا حركة ولا سير ولا علونا تلعة ولا سرنا و لا رجعنا إلا بقضاء وقدر إلهي أين القضاء والقدر الإلهي إذا كنا فعلنا الأمور باختيارنا فقال علي (ع) (هو الأمر من الله هو الحكم) وتلا عليه السلام قوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه): قضى الله وحكم الله في كل شيء بما يناسبه، قضاءه للتكوينيات بإخراجها من كتم العدم بإيجاد وطرد للعدم فقضى السماوات والأرضين قضى العوالم جميعا بشتى مراتبها قضاهم وكلمة إلهية كانت خلقا وإيجادا للكائنات وقضاء آخر بمعنى الحكم والأمر فما سرنا وما رجعنا وما قاتلنا إلا بحكم الله.
أرجو التوجه: الأحكام على البشرية واحدة أنا وأنت أمرنا بالحق، أمرنا أن نكون واقعيين ونبتعد عن النفاق والجدل والمراوغات ، أمرنا بما أمر به العظماء من الخلق لكن الحسين (ع) لما أمره الله كان مصداقا لإيجاد وتحقيق مشيئة الله التشريعية فكان كتابا ناطقا ومصداقا خارجيا للقران المجيد فشاء الله لكل إنسان أن يكون عبدا مطيعا لله لكن المؤمنين كانوا مشيئة بالفعل ومصداقا خارجيا بالفعل لمشيئة الله سبحانه وتعالى فما كان للحسين (ع) إلا مصيرا واحدا هذا المصير الواحد المعين هو سبيل الأبرار والأتقياء لا تخلف منه أمر خط بالقلم خطه الله على أولياءه بأن يكونوا مستشهدين خط الله بقلمه على أولياءه بأن يعيشوا السجون والاضطهاد والخوف هذا ما خطه الله على أولياءه وأولياءه لا يخرجون من قضاءه الذي قضاه عليهم بمسيرة الحق.
        فقال أمير المؤمنين (ع) : القضاء والقدر والأمر من الله والحكم يعني ما قضاه الله وما حكمه الله على أولياءه على المخلصين من عباده بأن يقفوا من أجل الحق بأن يعبدوا الله مطيعين له إطاعة حقيقة هذا الذي جرى فكنا مصداقا لهذه الحقيقة قضى الله وقدر سبيلا مستقيما، قضى الله وقدر في نفوس أولياءه الذين أرادوا واختاروا أن يكونوا على سبيل الهدى قضى له ولا تخلف عن قضاءه أن يكون المؤمن الحقيقي سدا في مقابل النفاق والطغيان، أن يكون المؤمن الحقيقي سائرا في مسير الشهادة سائرا في سبيل السجون والاضطهاد ما خلقه الله ليكون مصداقا للنفاق فنحن حققنا قضاء الله وقدره وما تخلفنا عن قضاء وقدر هناك أسباب وطريق وهو سبيل الحق وهناك سبيل وهو سبيل العبادة لله هذا شاءه الله في نفوس المتقين والمتقي الحقيقي ليس له إلا قضاء وطريق معين يسير عليه لا يتخلف عنه هذه مشيئة الله في حقنا أن نقف وأن نقاتل المكرة المجرمين باسم الدين.
         جاء بعض الناس من أهل البصرة فسألهم علي (ع) عن الوالي له في البصرة فقال أولئك القوم مادحين للوالي إنه من الولاة الذين أرضوا الناس جميعا فنظر إليهم علي (ع) بغضب فقال تصفون الرجل بصفات المنافقين، هذا ليس بمدح، من كان له منهج معين لابد وأن يحصل على رجال ويفقد رجال هذه مسيرة الأنبياء ما جمعت الناس جميعا على الرغم من خلقهم الرفيع سبيل النور لابد وأن يسوق الإنسان وجها لوجه مع سبيل الطواغيب لا صلح ولا جمع بين الظلمة والنور وبين سبيل الهداية وسبيل الضلالة فيقول علي (ع) هو قضاء وقدر إلهي قضاه الله على عباده الصالحون والصراط المستقيم يسوقهم إلى مقابلة الطواغيت وجها لوجه، وتلا عليه السلام (وقضى ربك ألا يعبدوا إلا إياه) قضى ربك على عباده الصالحين والمؤمنين، قضى عليهم بأي قضاء؟ بأنهم يكونوا قرانا ناطقا على اختلاف مراتبهم فهذا تمام الكلمة التامة والمصداق الأتم للقران الناطق كالرسول وكعلي وكالمعصومين عليهم السلام، فلما قضى الإمام علي (ع) قوله تعالى (وقضى ربك ألا يعبدوا إلا إياه) نهض الشيخ مسرورا.
        وروي في الكافي عن أبي عبدالله (ع) أنه قال، قال رسول الله (ص) : من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ليس هناك من مدع يدعي بصراحة من القول أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فإذن من هم المقصودون؟ من نسب إلى الله جبر العباد على كل صالح وطالح فقد نسب إلى الله أنه يأمر بالسوء والفحشاء (ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه) الخير والشر سبل وحقائق وجودية أوجدها الله تعالى وبعث أنبياء ورسل وأوصياء وجعل فطرة فحذر وأنذر وأرشد إلى الصواب فكل هذه الأمور ترجع إلى الله تعالى لكن السم الذي أوجده فكان شرا لو أكله الإنسان ليس في ذاته هو شر هو شر بالنسبة إلى الإنسان لو أكله، السم بما هو سم ليس بشر شر شرب الإنسان له، هناك أمور وهناك قضايا ترتبط بالأمر ليس معناه أن كل شيء يؤكل يجب أن نأكله وأن كل شيء يشرب يجب أن نشربه كم من دابة خلقها الله في ذاتها ليست بشر، فخلق الله بما هو ليس بشر حتى الشمر في ذاته ليس بشر بل هو وجود طرد العدم، الشمر يرى ويسمع لكن استعمال قواه في طريق الباطل شر الذي استعملها بارادة واختيار فقال (ص) : (ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه) كل الأمور الموجودة في ذاتها هي خير لكن بمقاييسها تكون شرا، الماء خير لكن من شرب الماء أكثر من ظرفيته بأربع مرات يكون شر مع كون الماء جعله الله احياء قد يكون سبب إماتة فإذن الخير والشر ليس في أصل الوجود، أصل الوجود فيض الله وفيض الله لا شر فيه، المراد من الشرية إذا كان الشيء ينسب لغيره.
        (شر لا في أصل دائرة الوجود) لأن الوجود نور بأزاء الظلمة والعدم شر إذا تجاوزنا الحدود إفراطا أو تفريطا أو وضعنا الأشياء في غير مواضعها (ومن زعم أن المعاصي بغير قدرة وقوة أو قدرة الله فقد كذب على الله) وسنأتي إلى الايات التي تدل على الإختيار بعد هذه المواضيع .
والحمد لله رب العالمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق