الخميس، 25 أبريل 2013

@ كيف يطهر الإنسان نفسه ويسير نحو النور الإلهي؟



كتبت من محاضرات ألقاها الشيخ في الكويت قبل سنين

كنّا نتكلّم في البحوث التربويّة التي تقرّب الإنسان من الله تعالى، وكيف يطهّر الإنسان نفسه ويسير نحو النور.
قالوا: بعد مرتبة التوبة يأتي دور المحاسبة، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد} ([1][1]) فهذا هو دور المحاسبة.
فلو أنّ كلّ واحدٍ منّا جلس وحده وحاسب نفسه: ماذا قدّم لأخراه؟ لسار نحو الله تعالى.
نحن في كل يوم نحاسب أنفسنا: ماذا كسبنا؟ وماذا حصلنا عليه؟ وهل أنّ أرباحنا في هذا الشهر هي أكثر أم التي كانت في الشهر الماضي هي أكثر؟ فهذا التفكير يأخذ من حياتنا مأخذاً طويلاً، لكن الله تعالى يقول: { ولتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد} ، وهذا النظر لا يكون باللجاج مع الآخرين، بل يكون في الخلوات، فإذا جلست وحدك تناجي ربّك بعيداً عن الغرور والأنانيات والجاه والمقام وعرفت نفسك وذلّها، وعرفت أنّك وجود فقير عاجز عن كلّ شيء، فجلست جلسة الذليل تحاسب نفسك قبل أن تُحاسَب، فمن حاسب نفسه اليوم خفّ عليه الحساب غداً يوم الحسرة، ومن ترك الحساب جميعاً لكي يحاسب في ذلك اليوم ثقل عليه الأمر في ذلك اليوم.
فالتقديم هو محاسبة النفس، فيحسب الإنسان حساب ما قام به من الحسنات، ويحسب ما ارتكبه من السيئات، ويحاول أن يقلّل من السيئات مهما أمكن إذا لم يتمكّن من تركها عموماً، وأن يضاعف الحسنات حتى تذهب بالسيئات، ولا ننسى أنه كم من إنسانٍ كان من حواريي رسول الله (ص) حتى قال في حقّه علي (ع) ــ حينما نظر إلى سيفه ــ : ( سيف طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله) ([2][2]) ، ووقف عند مصرعه يبكي لما يعرف من تاريخه وسوابقه، وإن قال بعدها: ( ولكن الحين ومصارع السوء) ([3][3]) .
فعلينا أن ندعو الله تعالى لأنفسنا بحسن العاقبة، ولا نغترّ بعمل عملناه ظننّاه خيراً، كما وأنه علينا أن لا نيأس من روح الله تعالى؛ فإنّ اليأس من روح الله أكبر من كلّ جريمة، فعلينا أن نعيش بين النظر إلى الرحمة، وبين النظر إلى الغضب الإلهي، أي: حياة الرجاء والخوف.
وكم من إنسان لا ننسى أنه كان في أحضان الكفر والجبروت فخلص إلى الله تعالى، كامرأة فرعون، وكالسحرة الذين ضرب الله تعالى بهم الأمثال.
ثم بعد المحاسبة يأتي دور الإنابة إلى الله تعالى، قال تعالى: { وأنيبوا إلى ربّكم} ([4][4]) وهنا يكون الرجوع، فإذا حاسب الإنسان نفسه أخذ يرجع حتى يمشي في صراط الله المستقيم، ثم إذا دخل في صراط الله المستقيم بعدما قطع مسافات النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوّامة، ودخل في مسلك النفس المطمئنة، وابتعد عن المغضوب عليهم والضالين، ودخل في صراط الله المستقيم، يأتي دور الإنابة.
والفرق بين التوبة والإنابة: أنّ التوبة هي الرجوع عن الأخطاء، لكن التوبة بالنسبة للأنبياء والأوصياء ليست رجوعاً عن ذنب كما قلنا سابقاً، والإنابة في قولـه تعالى: { وأنيبوا إلى ربكم} والمراد منها: توثيق العهود، يعني: إذا عاهدت الله بعد توبة وحاسبت نفسك محاسبة واقعية بعيدة عن كل الغرور يأتي دور الإنابة، بمعنى: أن توثّق العهود التي عاهدت عليها الله تعالى، فربّ إنسان يكون بدرجة من الإيمان يوثق عقده مع الله فيكون بدرجتين، فينتقل من الاثنين إلى الثلاث، وهكذا ينتقل من مرتبة إلى مرتبة ثانية، وهكذا يأخذ بالانتقال حتى يأتيه اليقين، قال تعالى: { وبعهد الله
أوفوا} (
[5][5]) فالإنسان المؤمن يفي بعهدٍ عاهده مع الله تعالى، والكلام لي أوّلاً، ثم لكم بعد ذلك.
فعلى كل إنسان أن يوثق ويقوّي العهد والحبل الذي بينه وبين ربّه، ويكون الرجوع في مقام إرجاع العمل والخلوص، حتى يصبح لبّاً خالصاً من كل الكدورات، فيلقى ربّه بنيّة خالصة، فالإنابة تأخذ بالإنسان إلى مرحلة الخلوص.
وأمّا ما كان من سيرة الإمام علي (ع) ، وما ورد في حقّه (ع) ، فإنه لما بلغ خبر استشهاد الإمام علي (ع) عائشة، قالت: لتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحدٌ ينهاها([6][6]) .
نعم، لقد كان السدّ المنيع أمام التجاوز والعدوان والخروج عن طريقة الإسلام التي رسمها الرسول (ص) ، فيشهد لعلي (ع) حتى مَن نصب العداء لـه كعائشة ومعاوية، ولا أتصوّر أن إنساناً يتمكّن أن يتغافل عما كانت لها من عداء لعلي (ع) ولأهل بيته الكرام.
وعندما تخلّف بعض الناس عن بيعته (ع) ما أجبرهم على البيعة، ولا ننسى أنّ مَن تخلف عن بيعة الأول والثاني والثالث، ومن تخلّف عن بيعة حكّام بني أمية وبني العباس أو غيرهم، إما أنّه ضربت عنقه، أو أنّه أجبر على البيعة، أو تُعُدّي على مالـه أو عرضه، وهذا التاريخ شاهد ــ وهو مكتوب بأيدي وأقلامٍ سنّية لا شيعية.
إذن: لا هوادة لإنسان لم يبايع، كما وأنه قد وصل الأمر إلى بيت قام عليه أساس الإسلام فقال قائلهم: احرقوا الدار، فقيل لـه: إنّ فيها فاطمة، قال: وإن([7][7]) ، وفي الدار فاطمة والحسن والحسين.
هكذا أخذت البيعة، وهكذا بدّلت الحرية التي أرادها رسول الله(ص) ، وهكذا وصل أمر الإسلام والمسلمين إلى مرحلة أنّ البضعة النبوية التي ورد ما ورد في حقّها من الأخبار صحيحة مقبولة عند المسلمين عامّة، أنه لو لم يخرج علي للبيعة فالأمر يصل إلى حرق داره وحرق بضعة الرسول وريحانتي الرسول، وهذا ضربته مثالاً بالنسبة إلى الخلفاء المتقدّمين، المعبّر عنهم بالراشدين.
وأما حال الأمّة في عهد بني أمية وما بعد فعلى الإسلام السلام.
أجل، وعندما تخلّف بعض الناس عن بيعة علي (ع) قال: ( أولئك قومٌ خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل) ([8][8]) فهذه نهاية كلماته التي تكلّمها في حق المخالفين.
ولمّا تهيّأ علي (ع) للمسير وخفّ معه المهاجرون والأنصار كره القتال معه ثلاثة نفرٍ، وهم: سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر الذي لا ننسى أنه قد بايع رِجْلَ الحجاج بن يوسف الثقفي بدلاً عن يمينه، ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحداً على البيعة، وما استكره أحداً على البقاء معه في حكمه، وما استكره أحداً للخروج معه في القتال.
ومن النصائح التي قالها (ع) : ( لا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشرَه بالجور) ([9][9]) يعني: يزيّن لك لشرهه أن تجور للجاه والمال والمقام.
وكان علي (ع) كثير التبسّم؛ لأنّ المؤمن حزنه في قلبه، وبشره في وجهه، فتراه وكأنه لم يحمل حزناً أبداً، على خلاف البعض الذين ساروا يظهرون الخشونة ويرعبون الآخرين، فكان (ع) كثير التبسّم حتى نسب إليه عمر بن الخطاب لينال منه في مسألة الخلافة من بعده فقال: ( لولا دعابة فيه) ([10][10]) .
ونقرأ بعض ما ورد في حقّ علي (ع) في كتب أبناء السنّة:
قال الزمخشري: قال رسول الله (ص) : يا علي إنك أوّل من يقرع باب الجنة، فيدخلها بغير حسابٍ بعدي([11][11]) .
وقال الزمخشري: إنه المتخلّف على الودائع من قِبل رسول الله (ص) في وقت الهجرة، والذي نام على فراشه هو علي (ع) ، والذي تركه أميراً على المدينة هو علي (ع) ، وحينما بعث أبا بكر أن يبلّغ بعض ما نزل بعث علياً خلفه، وقال: ليرجع أبو بكر، فرجع وهو متأثّر إلى رسول الله (ص) ، فقال لـه كلمته الخالدة: ( لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي) ([12][12]) ، وهذه كلمات ليست افتراء مفترٍ.
ثم خلّفه (ص) على العيال والنساء بالمدينة في وقت الخروج إلى غزوة تبوك حتى بكى (ع) ، وقال: يا رسول الله إنّ قريشاً تقول: إنّ رسول الله قد استثقله فتركه، فقال النبي (ص) : ( أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي) ([13][13]) .
ولمّا آخى بين المهاجرين والأنصار جعله الأخ لـه، ولا ننسى هذه الآية { إنّما وليكم الله ورسولـه والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} ([14][14]) فباتفاق المسلمين نزلت في حق علي (ع) ([15][15]) .
وقال (ص) : ( اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ، وهذا الحديث ذكره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده([16][16]).
وفي روايات مختلفة ذكر هذا الحديث، وأنّ الرسول (ص) قال للناس في يوم الغدير: ( اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه) ، وزاد بعض الرواة من السنّة: ( وانصر من نصره، واخذل من خذلـه) ([17][17]) .
وأما الروايات الواردة بلفظ: ( علي مع الحق والحق مع علي) ([18][18])، فلا شبهة ولا ريب فيها عند السنّة فضلاً عمّا ورد من طرق الشيعة.
والحمد لله ربّ العالمين.




[1][1]ــ سورة الحشر، الآية 18 .
[2][2]ــ تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري 3 : 539 ، مقتل الزبير بن العوام.
[3][3]ــ وردت هذه الإضافة في: الجمل، الشيخ المفيد: 208 .
[4][4]ــ سورة الزمر، الآية 54 .
[5][5]ــ سورة الأنعام، الآية 152 .
[6][6]ــ ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: 115 .
[7][7]ــ أنظر: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (تحقيق: الشيري) 1 : 28 .
[8][8]ــ نهج البلاغة، شرح محمد عبده 4 : 5 ، كلمة رقم 18 .
[9][9]ــ نهج البلاغة، شرح محمد عبده 3 : 82 ، خطبة رقم 53 من عهده لمالك الأشتر النخعي.
[10][10]ــ النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2 : 118 ، باب الدال مع العين.
[11][11]ــ
[12][12]ــ كتاب سليم بن قيس الهلالي، سليم بن قيس 322 .
[13][13]ــ السنن الكبرى، النسائي 5 : 44 ، ح 8138 .
[14][14]ــ سورة المائدة، الآية 55 .
[15][15]ــ شواهد التنزيل، الحسكاني 1 : 209 ، ح 216 ، و ص 210 ح 217 و 218 ، وهكذا الأحاديث التي بعدها، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6 : 221 .
[16][16]ــ مسند أحمد، أحمد بن حنبل 1 : 118 .
[17][17]ــ المناقب، الخوارزمي: 135 ، ح 152 ، والبداية والنهاية، ابن كثير 7 : 370 ، وينابيع المودة، القندوزي 2 : 282 .
[18][18]ــ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (تحقيق: الشيري) 1 : 98 ، وتاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 42 : 449 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق