الخميس، 25 أبريل 2013

@ مكتوب على يمين العرش :إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة



المحاضرة 1
كتبت من محاضرة صوتية ألقيت في سورية قبل سنين

قال رسول اللَّه (ص) : ( إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنّه لمكتوب عن يمين عرش الله عزوجل: مصباح الهدى وسفينةالنجاة ) ([1][1]) .
نعيش الآن مأساة وحزناً عميقاً، لكنه مقترن بفرحة النصر لقيم الرسالة ومثلها العليا: نصر الحق على الباطل، فإنّ حكم يزيد انتهى، لكن ما قام به
الحسين (ع) يبقى إلى قيام الساعة، فنصر اللَّه تعالى دينه بواسطة الحسين، واللَّه أراد الدنيا لتكون محل نزاع بين الحق والباطل، ولو شاء ــ وهو أقدر القادرين ــ أن يجعل الحكم بيد أوليائه لجعله، لكن علينا أن ننظر إلى فقرات هذا الحديث الشريف لرسول اللَّه (ص) :
فقد عبّر في الحديث: أنّ الحسين مصباح، والمصباح لا يستعمل في النهار، وإنّما يستعمل في الظلمة وفي الليل، فإذن الرسول ينظر إلى أمته وأنها ستعيش ظلمة وعتمة لا يرى فيها أحد شيئاً من الحق إذا لم يستضى‏ء بمصباح الحسين (ع)، فالحديث يتضمّن أمرين:
الأوّل: إخبار بالغيب، وهو أنّ الأمة ستعيش ظلمة تامّة لا يمكن أن يميّز من خلالها الحق من الباطل، فإذن كل ما جاء به الرسول من إضاءة وشمس حقيقة ستنتهي حين تصل الأمة إلى زمان الحسين (ع) وحمله لراية الإمامة.
فإذن: إنّ الظُّلْمة التامّة التي ستعيشها الأمة لا يبددها إلاّ مصباح تهتدي الأمة به، ومن خلاله يتميّز الحق من الباطل، وليس كلّ داعية ضد الظلم يكون مصباحاً، فلعله انطلق من مصالح شخصية وإن طلا دعوته بطلاوة الحق والدين والدفاع عن المظلوم والقيم، كما هو الحال مع دعوة ابن الزبير الذي نازع بني أمية في وقته.
فالمشكلة الأولى التي يشير إليها الرسول (ص) في المقام هي: أنّ الأمة ستعيش ظلمة تامة على صعيد المعارف للشريعة، حينها يصبح الحسين مصباح الهدى للحق، فالانقلاب الأول على الأعقاب بدأ من السقيفة حينما نسفت الشريعة ببواطنها وأعماقها، وبقيت صورة وقشوراً بلا محتوى، لكن المسلمين قبلوا بها، وسمّوا المتنازعين على السلطة في السقيفة: خلفاء رسول اللَّه (ص) ، فلما قبلت الأمة أن تسمّي أبناء الدنيا خلفاء
الرسول (ص) أعلن علي (ع) مخالفته، وبيّن للمجتمع الإسلامي طرّاً: أن الإسلام انحرف عن مجراه، وما بقي منه إلاّ الظواهر، فترك الأمة في السقيفة ومؤامرتها ونهمتها على طلب الزعامة والرئاسة، وراح ليعيش وسطية بين الصراع على الحكم وبين العزلة؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مدافعاً عن المظلوم، شارحاً للرسالة وأبعادها، فهذا هو الخطر الأول الذي بـيّنه الرسول (ص) ، وهو: أنّ الأمة ستنساق إلى ظلمة أو جهل أو جاهلية تامة لا مصباح ولا نور فيها إلاّ من اهتدى بمسيرة الحسين (ع) .
هل فقدت الأمة شريعتها ودينها معا في عصر بني أمية وبالأخص حينما استلم الحكم شاب يرتكب المنكرات جهارا؟
والأمر الثاني: أنّ الرسول (ص) عقّب ذلك بأن الأمّة في سنة 61 ستفقد دينها ودنياها معاً حينما قال: ( وسفينة النجاة) .
فهو إشارة إلى الطوفان، وإشارة إلى ما جرى من الحدث المهم حينما هلكت البشرية في عهد نوحٍ (ع) ، فيشير الرسول (ص) إلى نهاية أمرين في سنة 60 من الهجرة: ظلمة إسلامية بنهاية الظاهر والباطن والدنيا والآخرة معاً، وأنه لا عَلَم يهتدي به الناس إلاّ الحسين بن علي (ع) في نهضته التي قام بها ضدّ الباطل، ثم يبيّن لهم إنكم بذهاب سدّكم المنيع بذهاب الحق عندما قالوا: ( مالنا والدخول بين السلاطين) ، والحسين لم يكن سلطاناً، فلما ذهب سدّهم المنيع، ظنّوا: أنه أمر بين بني هاشم وبني أميةو لكنهم فقدوا دينهم ودنياهم بتركهم لنصرة الحسين (ع)، فأشار الرسول (ص) إلى أن الأمة لما تركت سدّها المنيع ــ وهو الحسين (ع) ــ ابتلاهم اللَّه بيزيد الشارب للخمر جهاراً، لا أريد أن أقلّل من جرائم المتقدّمين، فالجريمة جريمة، وإذا كانت في العمق كانت أخطر، وإذا كانت نفاقاً باطنياً متأصّلاً كانت أخطر.
فنسفت حقائق الشريعة بكلّ أبعادها بعد وفاة الرسول (ص) ، وحفظ الظاهر، فجاء الحسين (ع) ليعلن نهاية الشريعة بظاهرها وباطنها، بإطارها وبمحتواها، حينما قال: ( ويزيد رجل فاسق) ([2][2])، فأمير المؤمنين ــ بادّعاء القوم ــ رجل فاسق جهاراً، فإذا كان أمير المؤمنين فاسقاً فما حال المؤمنين؟
فقال (ع): ( يزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله) ، فما هو وصف المؤمنين إذا كان أميرهم هكذا؟
فإذن: لا مؤمن ولا إيمان، وإنما هي جاهلية عادت بكلّ أصولها وفروعها، لكن الناس ظنّوا بأنهم إن تركوا أهل الحق حفظوا دنياهم، فقال الرسول (ص) مشيراً إلى ذلك: أخطأتم واللَّه ( إنّ الحسين مصباح الهدى) .
هذا على صعيد الرسالة وبيان الحق والمعارف، وعلى صعيد الإسلام والمسلمين، وعلى صعيد كلّ الأمور التي ترجع إلى الإسلام وأبعاده.
فهل انتهى الأمر وعاش المسلمون بعد ذلك كما يعيش الغرب الآن في بعض مناطقه دنياً بدون آخرة؟ قال: كلا، ( وسفينة النجاة) ؛ لأنه طوفان سيتوجّه ليهزّ أركان هذه الأمة، فالحسين سدٌّ منيع أمام المجرمين، فكانت الأمة تظنّ أن بقتل الحسين (ع) سوف تحصل على دنياها لا أقل، لكن لمّا قتل الحسين رجمت الكعبة، وأبيحت أعراض أهل المدينة، فالأنصار الذين وقفوا يوماً من الأيام بكلّ شرف يقابلون الرومان وفارس ويقابلون اليهود وقريش يخاطبهم الرسول (ص) في حرب الخندق قائلاً: إنّكم ترون ما نحن فيه، الحصار قد طال، وترون عويل النساء وجوع الأطفال، والخوف المهيمن، فكانوا3000 محاصرين في الخندق، بكبارهم وصغارهم ونسائهم، يحاصرهم على بعض الروايات 000 / 30 مقاتل عسكري مدرّب من قريش ومن اليهود ومن بني غطفان، فرأى الرسول (ص) إعزازاً لهم أن يفت بعضد هؤلاء المتعاضدين على الباطل ضد الإسلام، فرأى أن يعطيهم ثلث ثمار تمر المدينة؛ ليرجع بنو غطفان، وجعلها شورى بدون استبداد، فقال للأنصار: رأيت من الصلاح أن أمزّق القوم في وحدة صفوفهم بإعطاء بني غطفان ثلث تمر المدينة؛ ليرجع بنو غطفان حتى نبقى مع قريش واليهود، فإذا رجع من 30 ألفاً قسمٌ فالباقون يقع بينهم النزاع والشقاق، فقال الأنصار بكلمة واحدة: ما أعطيناهم حينما كنّا مشركين تمرة واحدة إلاّ برضاء، فهل نعطيهم اليوم ونحن مسلمون؟ كلاّ ، نقاتل حتى نموت، فهذه هي الروح التي ربّى بها الرسول المسلمين، روح شرف وإباء.
وفي يوم آخر والأنصار هم الأنصار حينما نسوا الحق ووقفوا مع الباطل في السقيفة أذلّهم اللَّه، ففقدوا دنياهم ودينهم وأعراضهم، هكذا يكون الذلّ، هؤلاء هم الذين تهابهم الروم وفارس، فيأتي جيش يزيد بن معاوية ليختم على ظهورهم: أنهم عبيد ليزيد بن معاوية وآل أبي سفيان من بعد ما استبيحت أعراضهم ثلاثة أيام نساءً وبناتاً.
هكذا يكون الإنسان إذا سمع نداء الحق ولم يقف له، هكذا يذلّه اللَّه تعالى، فالرسول (ص) يشير فيها إلى العارف الملتفت: أنّ الحسين مصباح الهدى، فمن أراد الحق بمعالمه وبطونه اللامتناهية فعليه بالحسين، فإنّه المصباح للهدى، ثم يشير لهم: أتظنون أنه إذا أطفى‏ء هذا المصباح عشتم دنياكم؟ فاعلموا أنه طوفان نوح، وأنه غرقٌ عامٌّ يعمكم جميعاً، فهو ذل وهوان، لا ذل ولا هوان بعده.
نعم، إنهم جنوا ثمار سكوتهم عن الحق مع علي والحسين، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
فيجب علينا أن نتعلّم من هذه السيرة درساً وواقعاً، فعلينا أن نلتفت ولا نغش أنفسنا بعبارات، فليس العلم عاصماً، وقد قال علي (ع): ( أما واللَّه، لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من
الرحى) (
[3][3]) فهو الرجل الذي بلغ في العلم إلى هذه الدرجة، ولكنه باع جميع القيم، وخلد الأبدية لأجل كرسي حينما حليت الدنيا في عينيه، فاعلموا أنه لا عمامتي عاصمة من غضب ربّي، ولا علمك عاصم، بل لابد من قلب سليم، لابدّ من طهر باطني، فإن دَرَسنا وتعلّمنا من أجل تطهير أنفسنا ومن أجل المعارف الحقّة نفيد أنفسنا ونفيد غيرنا، ونحن اليوم نعيش هجمة معلنة على الإسلام والمسلمين، وكل واحدٍ منّا مسؤول يوم القيامة، فالشريعة تصان بقلوب طاهرة، فيجب علينا أن ندرس ما هي أسباب انحطاط هذه الأمة؟ وما هي أسباب رقيّها؟ وندعو اللَّه أن يعيش أهل العراق يقظة، ولا يخدعوا مرة ثانية، ولا أظنهم إلاّ أنّهم مخدوعون، وستفوتهم الفرص ما لم يعصمهم اللَّه تعالى بعاصم السداد، فلا يغيّر اللَّه ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فالعراق يحتاج إلى شورى الفقهاء، والفرد يبقى فرداً مهما كان من الحنكة والكياسة، والفرد يمكن أن يخدع أو يتعامل معه أو يقتل، ومهما بلغ فهو يخطى‏ء ويصيب ولو كان من أعلم العلماء حتى تعرض عليهم قوانين العراق، وتلحظ بدقة مع خبراء قانونيين عالميين يعرفون مواطن القوانين وثغراتها الشهر والشهرين حتى لا نخترق بواسطة ثغرات لا نعرفها، ثم بعد ذلك نقف وقفة رجلٍ واحد، حتى نحصل في ظلّ المحتلّ على بعضٍ من حقوقنا إن فقدناها جميعاً في ظل المسميات من القوميين والمدعين للوطنية وبطولات الدفاع عن الأمة والعروبة أو الإسلام.
والحمد للَّه ربّ العالمين.


[1][1] ــ عيون أخبار الرضا ، الشيخ الصدوق 2 : 62 ، ح 29 .
[2][2]ــ اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس: 16 ، تحت عنوان: أخذ بيعة الحسين ليزيد.
[3][3]ــ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 1 : 151 ، خطبة رقم 3 وهي المعروفة بالشقشقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق