الخميس، 25 أبريل 2013

@ من هو الذي تشمله الشفاعة يوم القيامة؟



كتبت من محاضرة صوتية ألقاها الشيخ في الكويت قبل سنوات

قال رسول الله (ص) : ( أيها الناس، إنّه ليس بين الله وبين أحدٍ نسب، ولا أمر يؤتيه به خيراً، أو يصرف عنه شرّاً إلاّ العمل. ألا لا يدّعين مدّعٍ، ولا يتمنينّ متمنّ، والذي بعثني بالحق لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة، ولو عصيتُ لهويت. اللهم هل بلّغت) ([1][1]) .
من نظر إلى سيرة الأنبياء والأوصياء والشرائع السماوية عموماً يرى أنّهم إنما جاؤوا لكي يربّوا الإنسان المؤمن على تربية العلم والعمل الصالح، حتى يبتعد الإنسان من نزعات القبلية وشرفها، وما شاكل هذه الأمور، لكي لا يفتخر مفتخر بعلم ولا بجاه ولا بمقام ولا بنسب، بل يكون الكل سواسية من حيث المعيشة الاجتماعية، وعلى نحوٍ واحد، وإنما يكون التكريم لرجال الله المؤمنين الذين يعرفون الشريعة ويعملون على طبقها، ولذا دائماً قرن الإيمان بالعمل الصالح، فعمل بلا معرفة قد يؤدي بالإنسان إلى مرحلة يصبح من الخوارج، فيرتكب خطأ عظيماً؛ لجهله، كقتل القاتل أمير المؤمنين (ع) ، وهو ثان رجل في دائرة التكوين وهو نفس رسول الله (ص) ، فلما جيء به ليُقتل وإذا به يفتخر، وما كان عبد الرحمن بن ملجم متألّماً متأثّراً لتلك الجريمة الكبرى، فقد ساقه الجهل فظن ما ليس بدينٍ ديناً، فاعتقد أن أخطاءه والظلمات التي يسير فيها هي عين الصواب والإسلام، فأقدم على جريمة لم يقدم عليها أيّ إنسان.
وإذا كان العلم بلا عمل صالح قد يأخذ بالإنسان أيضاً إلى المكر والشيطنة، وإلى تأويل الشريعة، فكم من آية حرّفت، وكم من عمل خرج عن منهجه بواسطة علماء السوء.
فإذن: لا علم ولا عمل يكون لـه شرف وتكون لـه قيمة إذا لم يمتزج العلم بالعمل الصالح، فالعالم بلا عمل صالح لا يكون علمه مفيداً، وكم من علماء جاؤوا فكانوا أعواناً لبني العباس وبني أمية، وكم من أعوان سوءٍ أيّدوا السلاطين ووجّهوا أعمال الجائرين على ما يرتكبون، فأخذ الحجاج يسفك دماء المسلمين، ويأخذ فتوى من بعض العلماء على ذلك، وأخذ ابن مرجانة يقدم على سيّد شباب أهل الجنة بفتوى عالم خرج عن مناهج الإسلام، كشريح القاضي.
فإذن: يجب علينا دائماً أن نسلك الطريق الذي أوصى به الرسول الأعظم (ص) كما تقدّم الحديث.
وهذه نبذة من شواهد كثيرة في القرآن الكريم والسنّة النبوية،
فقال (ص) : أيها الناس، إنه ليس بين الله وبين أحد نسب ولا أمر يؤتيه به خيراً ويصرف عنه شرّاً إلاّ العمل، ولا يكون العمل مفيداً إذا كان عن جهل، فقد يقدم الإنسان جهلاً على أمر يظنّه من الدين، وإذا به إجرام وإثم كبير، كما جاء عبد الرحمن بن ملجم يتقرّب إلى الله تعالى بقتل علي (ع) ، وحينما قُدّم للقتل ظنّ نفسه من أقرب الشهداء إلى الله تعالى، فأقدم على جريمة كبرى وهو يظن أنّه من المقرّبين، وكان يفتخر أنّه قتل علياً (ع) . وكم من عالم كان مصداقاً للآية الشريفة { وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} (
[2][2]) ، ولا يلقّن أحد نفسه أنّ الذين انقلبوا على أعقابهم مسيلمة ولا سجاح ولا الأسود العنسي ولا طليحة؛ لأنهم أعلنوا ارتدادهم في زمن الرسول (ص) ، فما كانوا قد انقلبوا على الأعقاب، فالكلام للأمة الإسلامية التي انقلبت عن منهج الرسالة بعد نبيّها، لا أقول: انقلاباً بمعنى الإلحاد، بل الانقلاب في مرحلة تطبيق الرسالة، فالرسالة شيء، وتطبيق الرسالة هي المرحلة الأخرى المعبّر عنها بتأويل الرسالة، أي: بتفسير الرسالة في بطونها.
فيجب أن نعلم أنه لا أمر يؤتى به خيراً ويصرف عنه شرّاً إلاّ العمل، ولهذا قال (ص) : ( ألا لا يدّعين مدّع ولا يتمنينّ متمنّ. والذي بعثني بالحق لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة) ، فالعمل الصالح يكون صالحاً إذا تطابق مع الإسلام.
فإذن: على كل مسلم أن يسعى لمعرفة الشريعة، وأن يسعى لتطبيق الرسالة تطبيقاً عملياً، ثم على كل مؤمن أن يلحظ الواقع بأنّ العمل والعرفان للحقيقة لا تكفي إذا لم تكن هناك رحمة إلهيّة، يعني: يجب عليه أن يعرف أنه لو عمل عملاً طيباً لا يستحق أن يدخله الله الجنة، فعملنا لا يكون بأزاء ذرة من النعم التي أنعمها الله تعالى علينا في دار الدنيا فضلاً عن الأبدية والخلود في يوم القيامة، فلعلنا نصلّي وأفكارنا في أمور كثيرة، ولعلّ الكثير من أعمالنا ليست خالصة لوجه الله تعالى ونحن نظنّها خالصة لوجه الله .
فإذن: ليس معنى ذلك أننا إذا عملنا، فعملنا يقابل الجنة أو الخلود،
فالرسول (ص) يقول: ( إلاّ عمل مع رحمة) ، يعني مع ألطاف إلهية تجعل العمل صالحاً خالصاً لوجه الله تعالى، فمن أخلص لله تعالى فالله أخذ على نفسه الرحمة بأن يدخله الجنة، ومن سار ب
خطوة نحو الله فتح الله لـه الباب للخلوة الثانية، ومن سار خطوة نحو الظلمات قرب للخطوة الثانية نحوها.
فإذن: يقول الرسول (ص) : ( لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة) ، يعني: مع لطفٍ إلهي، فلا نقيّم الإنسان بصلاته وصومه، ولا بأيّ عمل، فكم من إنسان قاتلَ مع رسول الله (ص) ووقف فكان من الحواريين كالزبير بن العوام، وهو من جهة النسب ابن صفية عمة رسول الله (ص) ، وعمّة علي (ع) ، وكان من السابقين إلى الإسلام، ولكن لمّا زلّت قدمه وإذا به يقف عليه علي (ع) وهو يقول: سيف طالما كشف الكروب عن وجه رسول الله (ص) ، لكن الآن وميتة السوء، وكم من إنسان كان في أحضان الطواغيت كالسحرة مع فرعون، وإذا بهم في لحظة واحدة يخلصون إلى الله تعالى.
ثم قال (ص) : ( ولو عصيت لهويت) ، يعني: ليس هناك من واسطة ورابطة يوم القيامة، ولا ننكر الشفاعة، لكن الشفاعة لمن؟
ولنضرب مثالاً، فنقول: لو جاء ابنك في آخر السنة وقال لك: أبتاه أريد منك أن تشفع لي عند المعلّم، فنظرت إلى الدرجات فوجدت فيها الصفر، والكثير منها تحت العشرة، فهل تجيز لنفسك أن تشفع لولدك؟ كلاّ، ثم كلاّ، فلا يقدم عاقل لكي يتشفّع لشخص درجاته كلها بين الصفر والواحد والاثنين، فمتى إذن تجوّز لنفسك أن تذهب إلى المعلم؟ والجواب: هو في الوقت الذي ترى الدرجات كلّها صحيحة، ويحتاج ولدك إلى درجات قليلة، فتقول: لماذا يبقى سنة مثلاً لكذا درجة؟

فالشفاعة لا تكون إلاّ لمن كان قريباً من الساحل، أما مَن كان في أعماق البحور فلا يشفع لـه شافع، وسوف يتبرّأ منه كل إنسان.
والحمد لله ربّ العالمين.




[1][1]ــ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 10 : 183 .
[2][2]ــ سورة آل عمران، الآية 144 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق