الأربعاء، 24 أبريل 2013

@ الأخلاق المحاضرة رقم 4



لسماحة الأستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني

قال اللَّه سبحانه وتعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ([1][1]) .
المشكلة الكبرى ــ كما قلنا في المحاضرة السابقة ــ تنشأ من الكبر والعجب النفسي، إذا صار الإنسان مغروراً، متكـبّراً، وضع نفسه في غير موضعها، فطغى وارتفع عن واقع نفسه، فأصبح لا يعرف نفسه، وإذا خرج من معرفة النفس انسدّت عليه مدارج الوصول إلى اللَّه تبارك وتعالى، كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): ( من عرف نفسه فقد عرف ربّه) ([2][2]) ، فمن لا يعرف نفسه لا يعقل أن يعرف ربّه تعالى، فإبليس أخذ يتطاول بواسطة مرض الكبر، فأصبح لا يعرف مكانة نفسه من عالم الوجود، ونسي أنّه لا شي‏ء، وأنّه مفتقر إلى اللَّه جلّ وعلا، فلما نسي حقيقة نفسه أخذ يخترع لنفسه المقاييس، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ([3][3]) ، فكانت المقاييس عند المتكبرين ضياعاً، فأخذ يحكم بواسطة الجهل المركّب على ظواهر الأشياء.
ففكّر أنّ الطين أنزل مرتبة في عالم الطبيعة والمادة، وهناك مراتب بعد الطينية: كمرتبة المعادن، ثم النباتات، ثم الحيوانات، ثم تأتي المراتب الأخرى: كعالم البرزخ، أو المثال، ثم عالم التجرّد، على اختلاف مراتب الملائكة العظام: كجبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ، فأخذ يقيس بهذه المقاييس، فخطّأ اللَّه في علمه؛ ظانّاً بجهله المركب أنّ اللَّه سبحانه ضاعت عنده المقاييس حينما قدّم الطين، مع كونه لا لون لـه جذّاب، ومع برودته على ما هو أعلى شأناً من الطين كالنار الحارّة المشتعلة المضيئة، غافلاً عن قابليات الطين وما يحمل هذا الكائن الإنساني من مراتب أخرى كان فيها جامعاً لشتات العالم، من عالم المادة إلى البرزخ، إلى العقل المطلق، إلى عالم النور، وأنه بأبعاده الإمكانية يتجاوز الملائكة الكرام، وأن لـه قمم الجواهر لأبعاد عالم الإمكان جميعاً.
فلمّا جعل المسائل العرضية من اللون و... مقياساً للكمال أخذ يتخـبّط في الظلمات، حتى وصل به الكبرياء والعجب أن اتّهم الحق تعالى في علمه وحكمته، ومن لم يعرف اللَّه في علمه كان جاهلاً للَّه في كلّ الميادين؛ لأنّ الحق تعالى ليس بوجودٍ مركب من حيثيات مختلفة حتى يكون ناقصاً في جانب، وكاملاً في جانب آخر.
فمن خطّأ اللَّه في علمه، أو رأى أنّ الحق سبحانه ليس بقادر على كلّ شي‏ء، أو رأى حدّية وقصوراً لجانب من الجوانب، أو لصفة من الصفات، فهو في الحقيقة غير عارف للحق تعالى أصلاً.
فإبليس بعد ستة آلاف سنة من العمل المتواصل كشف نفسه بأنّ العمل والعبادة التي قام بها لم تكن على أسس علمية صحيحة، بل كانت أعمالاً متواصلة متكررة فقط، والعمل إذا لم يكن عن معرفة ودراية سوف يسوق صاحبه ــ ولو بعد حين ــ إلى الخطأ والاشتباه، وقد يكون هذا الخطأ يوصل الإنسان إلى الحضيض، كما أوصل جهلة الخوارج والكثير من الناس إلى أخطاء لا يمكن أن تتلافى، حينما بنوا أعمالهم على أسس علمية غير محصّنة بعمق الإيمان واليقين.
فمنشأ الخطر العظيم كامن في كلمة ( أنا) ، كامن في الأنانية وحبّ النفس، حتى وإن كانت هذه الصفة من الأسس السليمة عند اعتدالها، ووسلية تسبب الحركة إلى اللَّه تعالى؛ لأنّ الحق تعالى أودع في الإنسان صفاتاً متعددة، ومن جملة هذه الصفات حبّ النفس، فإذا لم يكن الإنسان محبّاً لنفسه لا يرى لها قيمة، فيعيش ذليلاً مهاناً لا قيمة لـه، فلا يتحرك لجهة من الجهات، لكن اللَّه سبحانه ــ بواسطة غريزة حبّ النفس ــ جعل الإنسان طالباً للكمال، طالباً لرقيّ نفسه، لكن ــ كما تقدم ــ نقول: كلّ صفة إذا تجاوزت الحدود كانت إفراطاً أو تفريطاً، وعندها فسوف تسوق الإنسان إلى الظلمات.
فحبّ النفس، وحبّ الاستطلاع، وحبّ المعرفة، أمر حسن، لكنّه حسنٌ ما دام يعطي مجالاً لحبّ الآخرين، كما ورد عن أبي جعفر (ع)، حيث قال: ( الدين هو الحب، والحبّ هو الدين) ([4][4]) ، والمتكبّر تذهب من نفسه صفة الحب للآخرين؛ لأنه لا يرى كرامة ولا منزلة ولا قيمة لأيّ شخص، وقد يتكبّر على اللَّه تعالى أيضاً، وقد يتكبّر على الأنبياء وعلى أبناء جنسه، ومنشأ كلّ هذا العجب هو أنا خير منه([5][5]) .
هذه العبارة قد تقال، ونحن عندما نسمع أمثال هذه العبارات صادرة من إبليس قد نعيش التأمل والتردد والتعجب، بأنه: كيف يقول إبليس هذه المقالة؟
لكن علينا أن نتأمل في نفوسنا، فقد تكون النفس مصابة بكثير من الأمراض، فإذا لم نعالج هذه الأمراض، وعلى رأسها مرض العجب والكبرياء، سوف نعيش وديان الظلمات، والابتعاد عن الحق تعالى، والجهل المركب ونحن لا ندري.
أمّا من كان يعتقد بنفسه الجهل والفقر الذاتي، وقد لَمَس فقر الممكنات، فإنه يصبح طالباً للكمال، وينتقل من مرحلة إلى مرحلة؛ حيث يرى نفسه قاصراً جاهلاً، فإنّه عندما يلمس الفقر يأتي لطلب العلم، وهذا سوف ينقله من مرحلة إلى مرحلة، وهكذا يعيش ليله ونهاره طالباً للعلم والكمال؛ لأنه لمس جهلاً وظلمة وفقراً، ففرّ من الظلمة إلى المعرفة والنور، لكنّ المشكلة تكمن في ( أنا خير منه) ، وبواسطة هذه الكلمة تعيش النفس الحجب التامة الظلمانية، ويا ليتها كانت حجباً نورانية حتى تكون سبباً للرقيّ والانتقال؛ لأنّ عالم الإمكان حجاب نوراني لأولياء اللَّه تعالى؛ لأنهم طلبوا الوصول إلى الحق سبحانه، كما يقول الإمام الحسين (ع): ( إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ([6][6] ، فأولياء اللَّه تعالى لا يريدون من ربّهم أن يجعل بينهم وبينه واسطة، حتى ولو كانت الواسطة الآيات والممكنات.
لكنّ المتكبّر ليس كذلك، يرى نفسه واصلاً، عارفاً، متمكناً، حتى يصل به الأمر أن يتصوّر بل يجزم أنّه عارف، ولا عارف في دائرة الوجود يتمكن من الوصول إلى عرفانه حتى يصل إلى مرحلة بأن يصبح إبليساً على وجه الأرض أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ([7][7]) حكمٌ مجزوم به لم يتردد فيه إبليس، وما كان حكماً مظنوناً به عنده، بل كان حكماً قطعياً.
فعلينا أن ننظر إلى أنفسنا؛ لأنّ اللَّه تعالى جعل إبليس مثالاً وعبرة لنا لكي لا تسدّ علينا أبواب الحركة نحو المعبود، فهل أنا أرى لنفسي علواً لأني عربي وهو فارسي، أو أرى لنفسي علواً وخيراً لأنني من كذا قبيلة وهو ليس منها، أو أنا خير منه لأني صاحب مال وهو فقير، أو أنا خير منه لأنّي عالم وهو باعتقادي جاهل؟
وقد يكون علمي حجاباً أكبر من كل جهل في مقابل ذلك الإنسان الذي يعيش في قريته بعيداً عن الحضارة، لكنه يمتلك فطرة سليمة قد أوصلته إلى: أنّ البعرة تدلّ على البعير مثلاً، فبقي على كثير من فطرياته الأخلاقية وقيمه الإنسانية.
فكلّ إنسان بما أعطاه اللَّه تعالى من الفطرة والعقل سوف يحاسبه يوم القيامة، فيقول له: هلاّ حكّمت فطرتك: بأنّ الصدق خير من الكذب، وبأنّ الفضائل كذا وكذا، وأنّ الرذائل كذا وكذا، فلماذا لم تلتزم بموازين الفطرة وإرشادات العقل؟
وقد يكون أحياناً الجاهلُ خيرا من العالم؛ لأنّه لا يرى نفسه قد وصل إلى مرحلةٍ عظيمة، فيقول الإنسان في نفسه أحياناً: أنا خير منه؛ لأنّي وقفت موقفاً جهادياً وهو لم يقف، وأنا خير منه لصلاتي وخمسي وزكاتي، وإذا بي قَدَّمتُ عملاً حفّ بالكبرياء والغرور، فتجاوزت الحدّ، فرأيت من الواجب على اللَّه ــ ولو لم أتكلّم بذلك ــ بأن أكون يوم القيامة بدرجة أعلى من زيد؛ لأنّي خيرٌ منه بصلاتي وصومي وتهجّدي، فسأنال المنزلة الرفيعة عند اللَّه، وهؤلاء الناس لا يفهمون ولا يدركون ولا يتمكّنون من لمس الحقائق، ولمستُها أنا، فيسوقني العجب إلى تنزيه النفس وتزكيتها، وأمير المؤمنين (ع) يقول في خطبته المعروفة بوصف المتقين: ( فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون) ([8][8])، فهكذا هم المتقون.
فإذن: الأساس في علم الأخلاق فطري، وليس كعلم الفيزياء من بدايته وحتى نهايته اكتساب، فهو علمٌ وجداني، وما كان وجداناً لا يكتسب، والإنسان مولود على الفطرة، والفطرة اعتدال الموازين، فلنحاول أن نطهّر النفس، ونبتعد عن هذه الصفة الخطيرة جدّاً، وأن نكون ــ كما قال إمام الموحّدين ــ لأنفسنا متّهمين.
نعمّ، قد يتحاشى الإنسان من الاعتراف بالحقائق، وبما يحمل من الرذائل أمام الناس والمجتمع، بل حتى أمام أقرب الناس إليه، فليس من اللازم أن يقرّ ويعترف أمام أحد؛ لأنّ الإسلام ما جاء ليفتح كنائس الاعتراف كما عند الرهبان، بل جاء الإسلام ليقول: لو أذنبت ذنباً استغفر ربّك بينك وبينه، بدون أن تكشف الذنب؛ لأنّ كشف الذنب قد يكون هو بنفسه ذنبٌ آخر.
فربّ إنسان شرب الخمر، فعليه أن يتوب، ولا يتكلّم بما فعل حتى تشيع الفاحشة بين الناس، فيتهاون الآخرون في ارتكاب مثل هذه المعاصي.
فعلينا أن نجلس لوحدنا، ونحاسب النفس حساباً دقيقاً، ولا يكون حساب النفس إلاّ من بعد ما تكون النفس طاهرة من حجاب ظلمة الكبرياء، فكم من مقاييس أخطأنا فيها، وما زلنا نعيش على الخطأ، لمّا كنّا نجزم بأنّا دائماً على الحق وغيرنا على الباطل؟ قال: وكيف لا أكون على الحق، وها هي الأمة الإسلامية بأكثريتها قائمة على ما أقول من المنهج العام الإسلامي لمتابعة زيدٍ وعمر؟! وما عرف أنّ المقاييس ليس فيها: لا أكثرية، ولا أقلّية، وليس من المقاييس: شهرة وعدم شهرة، فربما تكون الأرض بيد الجبابرة فيؤيَّدون بأكثرية ساحقة، وكم من آية قرآنية ذمّت الأكثرية، فكيف يتكلّم هذا المتكلم بأنه على الحق؛ لأنّه يتبع نهج الأكثرية المسلمة؟!
ولو كانت المقاييس هذه فلتكن البوذية حقاً؛ لأنّها أكثر من باقي المذاهب، أو فلتكن النصرانية حقاً؛ لأن عدد أفرادها أكثر من المسلمين، ولو كنّا جهالاً ــ جهلاً بسيطاً ــ لكان الباب مفتوحاً للكمال وللحركة، لكنّا في الغالب الذي كاد أن يكون إجماعاً بشرياً نقول: أنا خير منه، ثم نصوغ لهذه المقالة المقاييس، أنا على حقٍّ؛ لأكثرية أيدتني، حتى وصلت بنا المقاييس أن قال القائل منّا لأمير المؤمنين (ع) : أأنت مقاتلٌ أهل البصرة وفيهم حواريي رسول اللَّه، وفيهم أمّ المؤمنين، وفيهم الكثير من الصحابة! أي مقياس ودليل كان يقيس به بعض الصحابة، بجعل الفرد ملاكاً لصحة العمل، حتى راح البعض يقيس الحق بأزواج الأنبياء؟! وها هو القرآن بكلّ صراحة من القول قد تكلّم بالنسبة إلى زوجتين من أزواج الأنبياء وذمّهما على باطلهما، فكيف جعلنا أزواج الأنبياء ملاكاً لمعرفة الحقيقة؟ وكيف جعلنا الصحابة ملاكاً للحق؟ فلعلنا نحمل روحية إبليسية ونحن لا نعرف أنفسنا.
فعلينا أن نطهّر النفس من الكبرياء أولاً، ومن التجاوز في حب الذات، لكي لا نجعل الحق يدور مدار أنفسنا، فإذا طهّرنا النفس من هذه الصفة الخطيرة وجدنا فقر أنفسنا، ووجدنا جهل أنفسنا، ووجدنا أنفسنا لا نُعدّ قطرة من بحر لا نهاية الوجود الإلهي، بما لـه من العلم والقدرة، وقد قال اللَّه تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ([9][9])، فالغاية هي العبادة، والعبادة ليست صلاة فقط، بل الصلاة أساس العروج إلى اللَّه، وهي عمود الدين، وقربان كلّ تقي، لكنّ العبادة هي المنهج الإسلامي بكلّ شؤونه وخصائصه، فالإسلام والشريعة هما العبادة والخضوع إلى الحق تعالى، فبمجرّد أن يصاب الإنسان بالكبرياء يتوقّف عن الحركة، فتأتي الأجيال وتتجاوزه، وإذا به واقف لعدم مدّ يده نحو الحق، فإذا توقّف تحكّمت فيه مطارق الغرور والجهل، وإذا تحكّمت فيه تكون سبباً لإحباط كلّ أعماله؛ لأنّ الكبر لا يختصّ فقط بالكبر الأخلاقي، بل ميدانه واسع، فقد يصاب به الإنسان في جانبه العلمي، وقد يصاب من جهة المال أو الشرف القبلي والنسب، وقد يكون الإنسان مصاباً به مع كلّ تواضعه الأخلاقي الظاهري، حتى قالت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) : ( فجعل اللَّه الإيمان: تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة: تنزيهاً لكم عن الكبر) ([10][10])، فالكبر خطر عظيم، ولهذا السبب أكّد اللَّه تعالى عليه مراراً وتكراراً في كتابه العزيز، والوسيلة الأساسية التي نستطيع بواسطتها أن نعيش الخضوع والعبودية بعيدين عن روح الغرور والكبرياء هي الصلاة، إن كانت صلاة حقيقية، تحمل للنفس آثارها من إزالة الكبر، والنهي عن الفحشاء والمنكر، ففي بدايتها تكبير، يقول الإنسان فيه: جعلتُ كلّ شي‏ء خلف ظهري، وتوجّهت إليك يا إلهي وإلى كبريائك وعظمتك؛ طالباً منك العون، ويستمر في كلّ حركاته وسكناته بأفعاله من قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، يبرز الخضوع والعبودية، وأمّا المعاني الموجودة في كلّ كلمة فهي لا تحدّ بإطار، كلّها أدوات لرسم خطى العبودية تجاه ربّ العالمين.
والحمد للَّه ربّ العالمين



[1][1] ــ سورة البقرة، الآية 34 .
[2][2] ــ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 20 : 291 ، الكلمات القصار رقم 339 .
[3][3] ــ سورة الأعراف، الآية 12 .
[4][4] ــ المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي 1 : 262 ، ح 327 .
[5][5] ــ سورة الأعراف، الآية 12 .
[6][6]ــ بحار الأنوار، العلامة المجلسي 95 : 216 ، دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة.
[7][7] ــ سورة الأعراف، الآية 12 .
[8][8] ــ نهج البلاغة، شرح محمد عبده 2 : 162 من خطبة لـه (ع) في وصف المتقين رقم 193.
[9][9] ــ سورة الذاريات، الآية 56 .
[10][10] ــ الاحتجاج، الشيخ الطبرسي 1 : 131 ، احتجاج فاطمة الزهراء على القوم لما منعوها فدك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق