الأربعاء، 24 أبريل 2013

@شرح خطبة الشقشقية المحاضرة رقم 4



شرح خطبة الشقشقية للإمام علي عليه السلام  رقم 4

كتبت من محاضرة صوتية ألقاها سماحة الشيخ محمد كاظم الخاقاني قبل سنين في الكويت

المحاضرة الرابعة

كان الكلام في المحاضرة السابقة حول الخطبة الشقشقية لمولانا أمير المؤمنين (ع) ، حيث كان الحديث في قولـه: ( أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى) .
فقد أوضح علي (ع) آثار الطخية العمياء، حيث قال: ( يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير) ، ثمّ قال: ( ويكدح فيها مؤمن) أي يكدح في هذه الطخية العمياء مؤمن صاحب ضمير وفطرة، فإنّ عقل المؤمن الذي يرى ما يرى من التلاعب باسم الدين هكذا يكدح ويسعى، ويبذل جهده حتى يلقى ربّه، فالصبر الذي يتكلّم عنه علي (ع) هو تجلّد لإثبات الحق، لا صبرٌ مذلّة، بل هو عزمٌ وإرادة وتصميم من أجل أن يبلغ المجتمع كلام اللَّه بأبعاده العلمية والتطبيقية، حتى تقام الحجة على المجتمع، وليس هو كالصبر الذي نعيشه اليوم بعناوين مختلفة، فصبر علي (ع) كان مواجهة مع الانحراف والطغيان المتلبّس باسم الدين، ليبيّن الحقائق للأجيال، وهكذا أيضاً كان صبر أبي ذر والمقداد لا صبر الأذلاّء المسالمين مع الطواغيت المداهنين لهم فضلاً عن الموجّهين لأعمالهم.
( فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى) يعني: فلمّا أخذت أردّد الأمر بين صولة بلا ناصر، وبين صبر على طخية وظلمة عمياء، وجدت ورأيت بعد ذلك أنّ الصبر على هاتا أحجى، أي أقرب إلى العقل، والحجى هو العقل، فصبرت.
ولا يتصوّر متصوّر: أنّ علياً ــ الذي طلّق الدنيا ثلاثاً، وقال عن الإمرة: إنها كعفطة عنز، أو أنها كعظم خنزير بيد أجذم، وتكلّم عنها الكثير، وزهّد فيها الناس ــ يصارع هؤلاء القوم على زعامة وخلافة ورئاسة، وإنّما لمّا كانت رئاسة وزعامة وسلطاناً لمحمّد (ص) ــ بزعم عمر بن الخطّاب ــ تركهم وهذه الزعامة، لكن لمّا جاء ليتترّس القوم بلباس الدين محرّفين القيم والشريعة بكلّ أبعادها وقف؛ لأنه مأمور أن يبيّن الحقائق، وأن يبيّن الخطأ في التطبيق، فكانت كلماته للصولة والهجمة على هؤلاء ليرد الأمر إلى مسيره في أبعاده العلمية التي أخذت تفسّر بأهواء الرجال، وأبعاد الشريعة التطبيقية التي محق وسحق فيها العقل.
وأيضاً: فإنّ هناك حرية لكلّ أمّة أن تختار لنفسها، فقد فتح رسول
اللَّه (ص) الباب أمام المجتمع، وعلّمهم
حرّية الرأي، ولمّا عيّن علياً خليفة لـه لم يجبر الأمّة على ذلك حتى تعيش الأمة حرية الرأي؛ لتختبر في اختيارها للحق أو الباطل، فاختارت ما كان باطلاً، تاركة الحق، فالأمة التي اعتادت أن لا تسير إلاّ بالعصا والاستبداد ظنّت أنّ هذا التعيين إرشاد فقط، وليست بخلافة؛ لأنهم لا يعرفون إلاّ تنصيباً تحت ظلال السيف، ثم جاؤوا لعلي (ع) من بعد ما تمّت البيعة لأبي بكر يقولون له: لِمَ لَم تقم بالأمر حين وفاة الرسول (ص) حتى نكون معك؟ فظنّوا أنّ القيام بالأمر يجب أن يكون كقيام الشيخين بالسقيفة: بضرب الناس، والتسلّط على الرقاب بلا نصٍّ ولا شورى.
أجل، قد اعتادت الأمة بتبع رواسب حضارة الجاهلية الاستبداد، وما فهمت لغة الحرية والكرامة والفضيلة التي خاطب بها النبي (ص) الأمة يوم غدير خم، وأين الناس من معرفة الاسم الأعظم الفعلي الإلهي، والخليفة الرباني الذي يجب أن يتّبعوه بلا عصا وبلا استبداد وبلا سيف، بل بتبع عمق الإيمان برسالة السماء؟ فنحن إذا كنّا نشكّ في كل شي‏ء لا نتمكن أن نشك ونتردّد بما ورد في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: { وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} إلى قولـه: { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ([1][1]) ، فما أشارت الآيات إلى أنّ الملائكة قبل خلق آدم (ع) عرفوا الأسماء، بل أشارت مؤكّدة على أنه لا معرفة للأسماء إلاّ بواسطة آدم (ع) ؛ حيث علّمهم الأسماء كلّها، فلو كان هناك خلق بمثابة آدم، أو بمثابة أنبيائنا وأوصياء الأنبياء، لعرف الملائكة قبل خلق آدم الأسماء الإلهية، ومن عرف اللَّه في أسمائه عرف مجرى الفيض، وعرف الأسباب والمسببات، وعرف العلل، وعرف كلّ شي‏ء، فالملائكة كانوا لا يعرفون الأسماء الإلهية، وما هو من شأن الأسماء الإلهية الذاتية والفعلية، من خالقية ورازقية ومفيضٍ قابضٍ وباسطٍ وجواد وإلى آخره، إلاّ بواسطة آدم (ع) ، فبواسطة هذا المخلوق العظيم ــ وهو الكون الجامع لمظاهر الأسماء والصفات الإلهية ــ عرف الملائكة الأسماء والصفات الإلهية، ومن عرف اللَّه في أسمائه وصفاته بما هو شأن الذات والفيض عرف اللَّه في أسمائه وصفاته الفعلية، ومن عرف الأسماء والصفات الفعلية عرف مجاري الكون، وعرف الأسباب والمسببات، وعرف العلل الأصلية التي هي الرمز الأصيل لكلّ العوالم.
وما صعد رسول اللَّه (ص) في معراجه أو معارجه إلاّ ليكون واسطة فيض لبقية الكائنات من الملائكة والجنّ والإنس.
وبعد هذا نقول: إنّا نعتقد أنّ محمداً (ص) وعلياً (ع) هما أشرف الكائنات، وهذا المفهوم المستفاد من الكتاب المجيد فضلاً عن بقية الروايات أبسط المفاهيم، وأول ما يمكن أن نعتقد به فضلاً عن ولايتهم التكوينية بما هي مستفادة من الشرع لا بما هي منهجية عرفانية أو حكمية أو بعض المباني في الولاية التكوينية الشرعية، فإنّها ربما تحتاج إلى تأمّل ودقّة: إثباتاً ونفياً، وليس هذا المقام مقام بيانها، لكن الكلام هاهنا في ولاية اعتقدنا بثبوتها لمن هو دون سيد الكائنات، فكيف لا نجزم بها؟ بل بما هو فوقها، بما لا يحدّ بحدّ لأشرف كائن هو معجزة عالم الإمكان، فلا يتوهّم متوهّم على أنّ البشر لعله لم يكن هو أشرف كائن، وقد قال تعالى: { وعلّم آدم الأسماء كلّها} ، ولا يراد من الأسماء ــ كما هو واضح ــ اسم زيد أو عمرو، فهذه أسماء لا قيمة لها عرفاناً وإيماناً، ولا اعتبار بها لكي تستدعي سجود الملائكة والجن لعظيم خلق اللَّه تعالى، فالأسماء هي الحقائق في المرحلة الربوبية للحق، وهي الحقائق الجوهرية في المرتبة للخلق والإيجاد، فهي أسماؤه الفعلية، علمها لآدم (ع)، ورسول اللَّه (ص) أولى بأسماء اللَّه، فهو الاسم الأعظم الفعلي الإلهي.
فأردتُ أن لا يتوهّم متوهّم ويقول : أنّي كيف تكلّمت بتلك الكلمات، واحتملتُ قصور الكائنات عن الفيض الإلهي تشريعاً وتكويناً لعليّ (ع) ؟
يقول علي (ع): ( فرأيت أنّ الصبر على هاتا) أي على هذا الأمر
( أحجى) أي أقرب إلى العقل، ( فصبرت وفي العين قذى) وهو الشي‏ء الذي يقع في العين من غبارٍ أو أيّ شي‏ء يكون سبباً لأذى العين، فيقول
علي (ع): فصبرتُ وفي العين قذى وهو يريد بذلك أن يبيّن حالته من الصبر بمحسوس يحكي عمق هذا الألم النفسي الذي عاشه سيّد الأوصياء
علي (ع) في عهد الخلفاء الثلاث.
ثم قال: ( وفي الحلق شجا) وهو العظم، أو أي شي‏ء يكون عارضاً في الحلق يسمّى شجا، فيقول: كنت على بصيرة، أشاهد ما أشاهد من التلاعب باسم الدين ومن الظلم والعدوان، لكنّ الاستبداد والتحريف والتأييد الجماهيري للشعب المسلم الذي راح يسير وراء هذه الطخية العمياء هو الذي يمنعني من البيان، فإن بيّنت وتكلّمت وقعت فيما لا يستحسن عقباه، وإن سكتُّ كانت هذه حالتي وهي: في العين قذى، وفي الحلق شجى.
( أرى تراثي نهباً) وفي هذا المحلّ يجب التوجّه؛ لأنّ علي (ع) أكبر وأعظم وأجل من أن ينازع القوم على خلافةٍ ودنيا زائلة، وصفها بعفطة عنز تارة، وبعظم خنزير بيد أجذم أخرى، وبالمزبلة ثالثة، وقد طلّقها ثلاثاً لا رجعة فيها، وهو أجل من أن يتألّم ويعيش الحزن والنكد والأسى على فدك أو غير فدك، فإن أريدت الخلافة من قبل علي (ع) أو أمثاله من عباد اللَّه المخلصين فإنما هي لتكون وسيلة لتحقيق الحق، وإن أريدت فدك أيضاً فإنّما المراد من ذلك لتكون أداة لتحقيق الحق أيضاً، وما كانت فدك مقصودة للصدّيقة الطاهرة بنفسها، ولا الخلافة كانت مقصودة لعلي (ع) ببعدها الدنيوي، فالبعد الدنيوي أراده علي (ع) جسراً ووسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الحق، وإقامة شرائع الإسلام علماً وعملاً، فيقول علي (ع) ويبيّن سبب طلبه الحكم، فيقول: ( اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان) ([2][2]) .
فالكثير من البعداء عن فهم الحضارة الإسلامية عاشوا ويعيشون الاستغراب: من أنّ علياً (ع) لماذا راح ينازع القوم على هذه الدنيا الزائلة وهو القائل إنّها لا قيمة لها، وأنه قد طلّقها ثلاثاً؟
فنقول: قد جاء علي (ع) ليبيّن المراد من منافسة القوم في هذه الخلافة قائلاً: ( اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك. اللهمّ إنّي أول من أناب، وسمع وأجاب، لم يسبقني إلاّ رسول
اللَّه (ص) ) إلى آخر كلماته (ع) (
[3][3]) .
ثم يقول علي (ع) في خطبته الشقشقية: ( حتى مضى الأول لسبيله) ، وهذا غاية الأدب في الكلام حين يبيّن في أول الخطبة: ( أما واللَّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا) ثم جاء هنا ليقول: ( حتى مضى الأوّل لسبيله) أي سبيل الغاصبين المعتدين، وسبيل من وضع نفسه مواضع المناهج الربوبية والخلافة الإلهية، فجعل نفسه مكان قطب رحا الإسلام، وهو علي (ع) ، والحال أنّ الإمامة ما نالها العظماء من الأنبياء إلاّ بعد ما ابتلوا بعظيم المشاكل كإبراهيم (ع) .
ثم يقول: ( فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده) فإنّ الخليفة الأول لمّا نصب الخليفة الثاني دخل عليه طلحة بن عبيد اللَّه، فقال لـه: إنّه بلغني أنّك استخلفت على الناس ابن الخطّاب، وهو مع وجودك يلقى الناس منه من القسوة وفضاضة الأخلاق والخشونة ما يلقون، فكيف به إذا خلا بهم وصار هو الحاكم، وأنت لم تكن موجوداً، وأنت ــ يا أبا بكر ــ غداً تلاقي ربك، فيسألك عن رعيتك؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، فغضب من هذا الكلام، ثم قال: يا طلحة، تخوّفني إذا لقيت ربّي فسألني، فإني أقول لـه: استخلفت عليهم خير أهلك([4][4]) ، ولا ندري أنسي أو تناسى ما قاله: فلستُ بخيركم
وعلي فيكم(
[5][5])، أو أقيلوني أقيلوني، ولم يقل: أقيلوني وعمر فيكم، بل قال: أقيلوني أقيلوني، فلست بخيركم وعلي فيكم، فكيف أصبح عند الزعامة والرئاسة يرى عمر خير خلق اللَّه؟! فقال لـه طلحة: يا أبا بكر، أعمر خير خلق اللَّه؟ فقال: إي واللَّه هو خيرهم، وأنت يا طلحة شرّ خلق اللَّه، وسيأتي أنّ عمر حينما طعن جعل طلحة في قائمة الشورى.
فإذن: كان طلحة من الذين قد رضي عنهم اللَّه تعالى بادّعاء وزعم الخليفة الثاني، وهو أحد العشرة المبشّرة بالجنّة كما يزعمون، فكيف أصبح هو شرّ خلق اللَّه تعالى.
ثم قال أبو بكر لطلحة: ( أما واللَّه لو ولّيتك الأمر لجعلت أنفك في قفاك) إشارة إلى التكبّر ( ولرفعت نفسك فوق قدرها، حتى يكون اللَّه هو الذي يضعها، أتيتني وقد دلكت عينك تريد أن تفتنني عن ديني، وتزيلني عن رأيي! قم لا أقام اللَّه رجليك) ([6][6]) .
هكذا كان التفاهم من خليفة رسول اللَّه (ص) أبي بكر مع سائر المسلمين!!
وهذا الكلام ما كان مع أعرابي من المسلمين، ولا كان مع بعيد عن المسلمين، بل كان مع صحابة رسول اللَّه (ص) ، هكذا عرفنا عن الخليفة الأوّل: كيف نفتح المجال بحريّة الرأي، ومعالم الحرية في يوم السقيفة نضرب بها الأمثال، ونقول: لابدّ وأن تكون الخلافة والزعامة في قريش، وفي أقرب الناس إلى رسول اللَّه (ص) ، فلمّا جاء علي (ع) ونازعهم واحتجّ عليهم بما نطقوا به على أنّه هو الأقرب، تكلّموا بكلام آخر، وهو: أن الإمامة والنبوّة لا يجتمعان في بيت واحد، فيومٌ ضرب فيه الأنصار، ويومٌ آخر هجم على بيت علي (ع) ، وفي يوم ثالث نسمع بكلام جرى بين أبي بكر وطلحة، وأمّا مهزلة الشورى التي جعلها عمر فهي شورى عجيبة غريبة، تضحك الثكلى، سنشير إليها إشارة سريعة إن شاء اللَّه.
هكذا كان منطق الحرية من خليفة رسول اللَّه مع أصحاب رسول
اللَّه (ص) ، استبداد أقام خلافة عمر بلا مشورة ولا تفاهم مع أيّ إنسانٍ أبداً، ولمّا نصب عمر بن الخطاب، كان تارة يفيق وتارة يغمى عليه، فنادى عثمان بن عفّان وقال له: اكتب، فلمّا كتب عثمان مقدّمة الكلام أغمي على الخليفة الأوّل، فلمّا أغمي عليه ــ قبل أن يصرّح باسم عمر، وقبل أن يبيّن اسم عمر ــ أتمّها عثمان: هذا ما عهد به خليفة رسول اللَّه أبو بكر إلى عمر بن الخطّاب، وجعله خليفة، وأتمّها وختمها، فأفاق أبو بكر فقال لـه: اقرأ ما كتبت، فقرأ له، فقال أبو بكر لعثمان: كيف كتبته قبل أن أقول لك؟ قال: ظننتك تموت فتختلف الأمة، فقال له: بارك اللَّه فيك، فقد فكّرت في صلاح الإسلام والمسلمين، والحمد للَّه ربّ العالمين(
[7][7]) .
وأمثال هذه الكلمات.
فهكذا أيّد إنساناً كتب من نفسه كتاباً بحسب الظنون، أجل هكذا كان الاستبداد حاكماً في الصدر الأول الإسلامي، فلما وصلت الخلافة إلى
علي (ع) وكان
قد ردّ القوم ثلاثة أيام يحاول عدم قبول الخلافة، فإنه لمّا أصرّوا عليه قبلها بعد ثلاثة أيام في مشهد ومرأى المسلمين في مسجد رسول اللَّه (ص) ، فقال: لا يمكن أن تكون البيعة إلاّ في المسجد بمشهد ومرأى من المسلمين، ثم جاء كل من كان حاجاً فبايع علياً (ع) ، وبايعه المهاجرون والأنصار، فتخلّف سعد بن أبي وقّاص، وتخلّف عبد اللَّه بن عمر، وعدد قليل آخر، فجاء إليه بعض أصحابه قائلاً له: نؤدّبهم ونودعهم السجون، أو نضرب أعناقهم، فقال: كلاّ، بل هم أحرار، إن شاؤوا البقاء معنا أجريت لهم أعطياتهم، وإن شاؤوا الخروج أوصلتهم إلى أي مأمنٍ يطلبونه، فلو كانت هناك عقول منصفة نيّرة بعد ألف وأربعمائة سنة من السقيفة لشاهدت اليوم الحقائق، وما مرّ به المسلمون في ظلمات في نفق الاستبداد، هذا والتاريخ ما كتب إلاّ بأيدي باعة الضمير في الغالب، فما هو حاله لو كان نزيهاً؟ وماذا كان يبيّن من أفعال هؤلاء المستبدين المتظاهرين باسم الدين؟ بعدما ورد في تاريخ المسلمين قول رسول اللَّه (ص) : ( لأعطينّ الراية غداً رجلاً، يحب اللَّه ورسوله، ويحبّه اللَّه ورسوله، كرّار غير فرّار) ([8][8]) .
وما لا يحصى من الأدلة الأخرى في المقام.
أضف إلى ذلك فإنّه قد اعترف الرجل الأول بنفسه على أنّه ليس بخير القوم وفيهم علي (ع)، فلا أدري كيف يجمع الناس بين هذه التناقضات؟ وكان علي (ع) قد قال مخاطباً لعمر بن الخطاب يوم السقيفة: أحلب حلباً لك شطره، واشدد لـه اليوم أمره يردده عليك غداً ([9][9]) ، فهذه المسألة ــ كما سيأتي ــ هي في نفس الخطبة الشقشقية لعلي أمير
المؤمنين (ع)، ويجدّدها مرة ثانية بعبائر مختلفة فيقول: فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة، حتى مضى الأول لسبيله، ثم جاء الثاني فجعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم، فيقول علي (ع): ( فياللَّه والشورى) ، فهي شورى لا تحتاج إلى تفحّص، ولا بحث، فكلّ من يقرأها يشاهد التخطيط الموجود في هذه الشورى، فيقول التاريخ: لمّا طعن الخليفة الثاني رشّح ستة من قريش، وهم: عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن عوف وعلي (ع) ؛ لأنه زعم أنّ رسول اللَّه (ص) مات وهو راضٍ عن هؤلاء فقال: وعليهم أن ينتخبوا واحداً منهم، وقيل لـه في ابنه عبد اللَّه بن عمر، فقال: كيف أجعله خليفة وهو عاجز من أن يطلّق زوجته، يعني هو إنسان جاهل بالحكم الشرعي إلى هذه الدرجة، ثم قال: لا أتحمّلها حيّاً وميتاً، ثم دعى أبا طلحة الأنصاري فقال له: أنظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفهم، فخذ هؤلاء الستة بإمضاء هذا الأمر وتعجيله، واجعلهم في بيتٍ واحد، فإن اتفق الجميع وأبى واحد فاضرب عنقه(
[10][10]) ، ونحن لا ندري أتشريع من الخليفة الثاني على أنّ هؤلاء الستّة الذين اختارهم هو، واستبدّ على المسلمين بهم أيضاً، كيف لو اجتمع خمسة منهم على رجل وأبى واحد، كيف يضرب عنق ذلك الواحد؟ فبأيّ ميزان حكم بذلك؟ أبآية؟ أو رواية؟ أو سيرة؟ أو عقل؟ فإن اتّفق أربعة وأبى اثنان قال: فاضرب أعناقهما.
فإذن: يجوز أن يضرب عنق رجلين إذا اختلفا، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فنريد اليوم أن نرى الحرية التي صاغها الخليفة الثاني للأجيال لنطبقها اليوم على أنفسنا.
ثم قال: فانظر إلى الثلاثة الذين معهم عبد الرحمن بن عوف، لست أدري كيف يكون الحق والصواب في كفّة عبد الرحمن بن عوف، والخليفة الثاني بنفسه هو الذي قال كلماته المعروفة بحق علي (ع): ( إن وليها ليحملنّكم على المحجّة البيضاء) ([11][11]) ، فلا أدري لم في مثل هذه اللحظات يكون الحق مع عبد الرحمن بن عوف؟ وكيف جاز لـه أن يضرب أعناق الثلاثة؟ وكيف جاز لـه أن يضرب عنق علي (ع) أو الزبير أو عنق غير هؤلاء إذا خالفوا، وهم ممّن رضي عنهم رسول اللَّه (ص) ، وهم من العشرة المبشرة كما يُدعى؟
ثم يقول: وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا فاضرب أعناق الستّة جميعاً، فهؤلاء الذين رضي عنهم رسول اللَّه (ص) لعل الخليفة أراد أن يعجّل عليهم بالجنّة؛ حيث لا نجد لهذا الحكم العدل تفسيراً إلاّ بهذا المعنى، فكيف يقرأ المثقّفون اليوم مثل هذه السير، وهم لا يتكلمون، ولا تطرو عليهم حتى الشبهة في سيرة السلف الصالح كما يدعون، ولم لا يترك الأمر شورى بين المسلمين حتى يختاروا؟ فهل وجدهم قصّراً حتى يكون قيّماً عليهم وهم كلهم عدول كما يدعون؟
والحمد للَّه ربّ العالمين.




[1][1]ــ سورة البقرة، الآيات 31 ــ 33 .
[2][2]ــ نهج البلاغة، شرح محمد عبده 2 : 13 ، خطبة رقم 131 .
[3][3]ــ المصدر نفسه.
[4][4]ــ أنظر: تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري 2 : 621 .
[5][5]ــ أنظر: الفضائل، شاذان بن جبريل القمي: 132 ، حديث أنس.
[6][6]ــ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 1 : 164 .
[7][7]ــ أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 1 : 163 ، عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب.
[8][8]ــ العمدة، ابن بطريق154 ، ح 237 .
[9][9]ــ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري 1 : 18 .
[10][10]ــ أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 1 : 185 ، قصة الشورى.
[11][11]ــ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 11 : 10 ، من أخبار طلحة والزبير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق