الخميس، 25 أبريل 2013

@ قال رسول الله (ص) :صوموا تصحوا



كتبت من محاضرة صوتية ألقيت قبل سنوات في الكويت

تيمّناً وتبرّكاً بشهر رمضان المبارك ننقل حديثاً يناسب شهر رمضان: قال الرسول (ص) : ( صوموا تصحّوا) ([1][1]) .
فقالوا في تفسير هذا الحديث: إنّه بالصيام تحصل صحّة البدن.
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: هي إنه إذا ورد حديث عن أهل البيت أو عن رسول الله (ص) فعلينا دائماً ــ مهما أمكن ــ أن لا نقيّد الحديث بجانب خاص، فإذا أمكن تعميمه لجوانب متعددة فعلينا أن نعمّم الحديث مهما أمكن أفضل من تقييد الحديث بجانب دون آخر.
فقولـه (ص) : ( صوموا تصحّوا) الأولى أن نقول: إنّه بالصيام كما تصحّ الأبدان تصحّ بقية الجوانب؛ لأنّ الحديث مطلق، وليس مقيداً بالصحة البدنية فقط.
فعلى كافة العلماء إذا ورد حديث من آل البيت أو من الرسول
الأعظم (ص) أن يبحثوا عنه بجوانبه المختلفة، فعلى علماء الاجتماع أن يبحثوا عن الحديث بجوانبه الاجتماعية، وعلى علماء النفس أن يبحثوا عن الحديث وتصحيحه للنفوس في جوانبه النفسية، وعلى علماء الاقتصاد والفقهاء أيضاً أن يبحثوا عن الحديث بجوانبه الاقتصادية والفقهية.
ولقد تُرك على طول التاريخ شيء أساسي، وهو: أنّ الرسول (ص) والقرآن الكريم جاء ببيان القيم جميعاً، فنعتقد أنّ الدين الإسلامي جاء ليبيّن جميع الجوانب، وجاء ليشرح جميع الفنون والعلوم، فعلى المسلمين أن يأخذ كلّ واحد منهم بجانبه وبما هو من اختصاصه، فيبحث عن الآيات والروايات الواردة حتى لا يبقى الدين متوقّفاً على جانب فقهي أو أصولي فقط، بل على كافة العلماء من المسلمين أن يبحثوا في الأحاديث والآيات كلٌّ على حسب مهنته وفنّه، فلو أنّ هذا الحديث الشريف بحثه علماء النفس في جوانبهم لوجدوا الآثار النفسية والتربوية والإخاء النفسي بيّناً فيه، وكذلك لو نظر إليه علماء الأخلاق وعلماء الطب و ... من العلماء لوجدوا ثمرات هذا الحديث في جميع العلوم، وليس فقط هذا الحديث الشريف، بل جميع الأحاديث والروايات ربما يراد منها جوانب متعددة.
فعلى كل عالم إسلامي ــ بحسب اختصاصه وعلمه، ولو كان اختصاصه في فن من الفنون ــ أن ينظر إلى الأوامر والنواهي، ويتبع السبب الذي سبّب هذه الأوامر والنواهي حتى يتمكّن المسلم من التوصّل إلى بعض المناشىء والثمرات والأسباب والعلل التي سبّبت أن تطلق هذه الأحاديث.
هذا ما كان مرتبطاً بشهر رمضان المبارك.
والمسألة الثانية التي نريد أن نبحثها في هذه المحاضرة، هي: أنّ على الإنسان أن يعرف: أنّ الملاكات الشرعية التي تسبب الأحكام على ثلاثة أقسام؛ لأنه كما تعلمون ما من حكم إلاّ ويتبع علة وسبباً، ومصلحة أو مفسدة، فبعض الأحكام عرفت بالملاكات الضعيفة، كالأحكام التي تترتب على الطهارة والنجاسة، فسهّلها الشارع بكل تسهيل حتى قال: ( كل شيء لك طاهر حتى تعلم النجس بعينه فتدعه) ، فإذا دخلت في بيت وشككت: هل أنّ الفرش طاهر أو ليس بطاهر؟ فليس عليك أن تسأل، بل تصلّي، وتمشي على الفرش، وليس من وظيفتك أن تفحص، وتسأل: هل الفرش طاهر أو ليس بطاهر؟
فإذن: الطهارة والنجاسة من الملاكات السهلة التي تساهل فيها الشارع المقدس، وأخذ يؤكّد في كل جانب على التسهيل فيها، لكن أحياناً قد يتدخّل الشيطان في هذا الأمر السهل فيلقّن الإنسان، ويصيّر لـه الطهارة والنجاسة بصورة يأخذ بنظره أولاً بالاحتياط، ثم يتجاوز في مراتب الاحتياط حتى يصل إلى مرتبة الوسوسة، ثم ينتقل من الوسوسة إلى المرض المزمن الخطير الذي لا يتمكّن أن يتخلّص منه.
فعلى كل إنسان أن يبتعد عن هذا الأمر؛ لأنّه ورد عن الإمام
الصادق (ع) بالنسبة إلى من يحتاطون في الطهارة والنجاسة: فقيل لـه: يابن رسول الله (ص) أهولاء يحتاطون ويتعبدون؟ قال: كلاّ إنهم يعبدون
الشيطان .
فهو يعتقد بأنه أصبح من المقرّبين عند الله تعالى، وإذا بالروايات جعلته من عبدة الشيطان.
والملاك الثاني في الشرع: هو باب المعاملات والأموال، وكثير من الأمور الأخرى، فالشارع المقدّس جعلها تثبت بشاهدين، وجعلها متوسطة الملاك، لكن إذا جاء الأمر إلى دور الدماء والأعراض أمر الشارع بتمام التثبّت فيها والاحتياط.
فإذن: على الإنسان أن يعرف أنّ الملاك الصعب وأنّ المورد الصعب الذي أمر الشارع المقدس فيه بالاحتياط هو الدماء والاعراض فمثلا لو أنّ (99) شخصاً كانوا مذنبين ومن بينهم شخص مشكوك في برائته وذنبه وجريمته، فإنه يجب علينا أن نوقف الحدود حتى نطمئن ونخرج ذلك الشخص البريء؛ لأنّ الحدود تدرأ عند الشبهات.
هكذا أمر الشارع بالاحتياط في الدماء والأعراض، فقد شدّد على مسألة الأعراض، وعلى الاتهامات العِرضية بصورة أنه من نظر إلى الشرع المقدس وجد إثبات المواضع التي ترجع إلى الأعراض من المحالات وقوعها خارجاً، فكيف يمكن إثبات مسألة ــ كما تعرفون ــ بأربع رجال يرون كما قال الرسول (ص) : ( الميل في المكحلة) ؟
نعم، جعل الشارع هذه الحدود ردعاً لمن يريد أن يهتك العفة في الشارع العام، وإلاّ فمن المحال أن يشاهد أربعة رجال ليس من عادتهم التجسّس ومتابعة عورات الناس ما يثبت به الزنا إلاّ من باب الصدفة، فإنّ هذا أمر وقوعه في الخارج يشبه المحال، وإذا بنا نشاهد ونرى كم من حدّ أقيم، وكم من بيتٍ هتك بشهادات وأقوال زور وأباطيل!
فعلينا أن نعرف أنّ محلّ الدماء والأعراض من الأمور التي أمر الشارع بالتأكّد منها تماماً، ونرى الكثير من الذين يدّعون أنهم محتاطون في الطهارة والنجاسة إذا جاء إلى الأعراض والدماء يتساهل فيها، وإذا جاء إلى باب الطهارة والنجاسة يظهر نفسه قدّيساً ومحتاطاً فتراه في وضوئه يكثر الاحتياط جلباً لأنظار الناس، فيتوضأ العشرة دقائق أو الأكثر، ويظهر نفسه بنسكٍ وتقوى خاصة، وإذا جاء إلى باب الحكم تراه يتسارع في باب الدماء والأعراض، فهذا من باب قلب القيم التي جاء بها الرسول الأعظم (ص) ، فكم من دمٍ أريق على طول التاريخ، وكم من عرضٍ هتك بسبب عدم الاحتياط في الدماء والأعراض!
وأما البحث عن التربية الإسلامية: فقد قلنا في المرتبة الثانية: على الإنسان أن يعود إلى ربّه بالتوبة، والتوبة تحتاج إلى معرفة الذنوب، ثم إذا حصلت لـه التوبة يجب عليه أن يردع ما هو من شأن الأخطاء، والناس كما تعلمون في جهلهم على نحوين: جاهل يعرف نفسه أنه يجهل الحقائق، وهذا أهون من جاهلٍ يتصوّر نفسه عالماً، فالأول يسمّى بالجهل البسيط، والثاني يسمّى بالجهل المركّب.
وكم من إنسانٍ مبتلى بالجهل المركب.
وكثير من الناس إذا جلسوا مجلساً وتكلّم المتكلّم عن علم الفلكيات دخلوا مع علماء الفلك، وإذا تكلم متكلم عن علم النفس دخلوا مع علماء النفس، وهكذا في جميع العلوم يدخلون مع الفقهاء وعلماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع وغيرهم من العلماء، فهذا من البلاء الذي ابتلي به الكثير منّا .
فعلينا أن نعرف قدر أنفسنا، ولا نتجاوز الحدّ الذي نحن فيه، فما من إنسان يتمكن أن يحيط بجميع العلوم.
فإذن: عندنا جاهل يعرف نفسه أنه جاهل، وهذا لعلّه يسأل فيهتدي، وجاهل يظن نفسه عالماً، وهذا قد سدّ الباب على نفسه؛ لأنه يرى نفسه عالماً، والتوبة تحتاج إلى الالتفات إلى الجهل حتى يسير الإنسان فيسأل عن أخطائه، ويرى ما هو الخطأ بحسب الحكم الشرعي، وإن كانت الكثير من الأخطاء معروفة عند الإنسان بفطرته؛ لأنّ كل إنسان بفطرته يعرف أن الكذب خطيئة، والصدق فضيلة، وهكذا باقي الصفات الإنسانية، لكن مع ذلك على الإنسان أن يسعى لمعرفة الأمور الطيبة التي دعا إليها الإسلام، وإلى الأمور الخبيثة التي ردع عنها الإسلام.
ومن شرائط التوبة: الندم بالقلب واللسان، يعني: لا يكون تائباً توبة نصوحة صادقة إلاّ إذا تلافى ما هو من الأخطاء والذنوب، فمن تعدّى على كرامات الناس مثلاً واتهمهم وأحطّ من كراماتهم، إذا أصبح نادماً بعد فترة من الزمن عليه أن يتلافى ما هتكه من كرامات الناس، وعليه أن يكذّب نفسه فيما تقدّم، أو يقول: أخطأت فيما تقدّم من كلامي على زيد أو عمرو، وإلاّ لم يكن نادماً ندماً حقيقياً.
ثم قالوا: ولا يكون الندم حقيقياً إلاّ إذا حصلت آثاره ، يعني: وعلى الإنسان أن لا يسهلّ الأخطاء على نفسه.
فمثلاً : قد تسأل أحداً: لماذا تشرب الخمر؟ فيقول: أعلم أنّ الخمر محرّم، وأنّه مضرّ بالصحة، لكنني أشربه، فهذا سهّل الذنب على نفسه، فهانت الذنوب عنده، في حين أنّ الإمام الصادق (ع) يقول: ( لو أنّ قطرة من الخمر وقعت في بئرٍ لما شربت من ذلك الماء) ، فلو عرف والتفت أنّ الخمر من الأمور التي قبّحها الشارع وردع عنها بكلّ شدة لما كان يقدم على الخمر، لكنه سهّل الأمر أمام نفسه، فقال: إنّه من القبيح السهل، ولذا أخذ يتمادى في أخطائه.
فعلى الإنسان أن ينظر إلى الذنب بمنظار الشارع، وأن يكبّره في نفسه، ولأنّ الذنب في مقابل الكبير ــ وهو الله تعالى ــ كبيرٌ، فإذا عرف أنّ الموقف عظيم يتمكن أن يتراجع شيئاً بعد شيء.
لكن في الغالب نحن نكـبّر أخطاء الغير، ونصغّر أخطاء أنفسنا، على عكس ما قال به الشارع المقدّس، فإنّ الشارع المقدّس قال لك: كـبّر أخطاء نفسك، وحاول أن تحمل الآخرين على سبعين محمل من الصحّة، ونحن نعمل العكس تماماً، فأخطاؤنا نصغّرها، والاحتمالات في حق الآخرين نكـبّرها، ونشيعها.
فالمتقون والأوصياء والأنبياء نراهم دائماً يعيشون الخوف من ربهم، ويحملون على أنفسهم كلّ الأخطاء، فهم كما ورد في صفتهم: ( لأنفسهم متّهمون) ([2][2]) .
وأما الجاهل فيظن بأنه لم يخطىء، فلذا يسير من خطأ إلى خطأ آخر.
وقلنا سابقاً: إنّ قمة النفوس هي النفس المطمئنة التي أيقنت بقضاء الله وقدره، وسارت في سبل الصراط المستقيم، تنتقل من يقين إلى يقين، ومن حق إلى حق.
وهناك نفس أخرى يعبّر عنها الحق سبحانه وتعالى، فيقول: { ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} ([3][3]) ، فإذن: الاطمئنان على قسمين، فمن اطمأن بالقضاء والقدر الإلهي واطمأن بالأنبياء والأوصياء، اطمأن بالحق، فاستسلم لـه، فكان متوكّلاً، وكان من المتقين.
وهناك أناس وصلت بهم الحالة في الانحطاط بأن اطمأنوا بالحياة الدنيا ورضوا بها.
والحمد لله ربّ العالمين.


[1][1]ــ الدعوات، قطب الدين الراوندي: 76 ، ح 179 .
[2][2]ــ نهج البلاغة، شرح محمد عبده 2 : 160 ، خطبة رقم 193 في صفة المتّقين.
[3][3]ــ سورة يونس، الآية 7 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق