الخميس، 25 أبريل 2013

@ علائم الظهور



علائم الظهور
       
الحمد لله محفوفا بمزيد من الشكر على نعمائه حين يغرق قلم الوالهين في حب أولياءه في بحور من الثناء ثم يلمس عجزه فيجري متصاغرا في ركاب محمد وآله الطاهرين الميامين المعصومين المنتجبين جريا في سبل الهدى بين يدي غاية بعثة الأنبياء ووارث الأوصياء ذلك العَلَم الذي لا يجحده عقلا عند شهود الغايات بموازين الفطرة ولا ينكره شرعا طالب حق في مواطن متابعة الآيات والروايات إلا من حجبته حجب الغفلات, ألا وهو منقذ البشرية من الضلال والدمار ناموس الله عزوجل في أرضه الحجة على الماضين والباقين إلى قيام يوم الدين خلف سيد المرسلين الإمام بالحق محمد بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا من أنصاره والمستشهدين تحت لواءه إنه مجيب الدعوات بواسع فيضه وكرمه .
ثم أتقدم بتحية الدين والسلام لإخواني الذين قطعوا الطريق مشياً على الأقدام أحقابا ليلا ينزفون تحت مطارق الجائرين والجهلة المقلدين لم تأخذهم في الله لومة لائم حتى صاروا لنا منار هدى نقتبس منهم سبل الرشاد، فأودعونا ما كانوا يحملون من أثقال الأمانة لنقف اليوم معلنين معالم الحق في ديار الظالمين على ربوة بعيدين من مقاص الرقاب للفراعنة باسم الدين لنقول: ما يحلو لنا قوله من موازين صدق هي من صميم روح السلام التي إتفقت عليها رسالات السماء لمن أنصف من نفسه بعيدا عن دواعي الشقاق بدوافع رواسب وعاظ السلاطين النابع من قطر ندى الجبارين وإن حصل الخلاف في بعض التفاصيل مما لا ينال أسس المعتقد الذي تواترت فيه الكلمات حتى قيل إن منكر المنقذ البشري الذي هو غاية بعثة الأنبياء ينكر ضرورة من ضروريات الدين فهو كافر بعد الالتفات إلى منابع الأخبار ليخرج عن ظلمات شقوة الجهال المستضعفين حيث اتفقت آراء الفريقين على مجيء منقذ من آل محمد ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأطال الله تعالى ذلك اليوم ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا كما عن الرسول الأعظم محمد (ص) .
وليس الكلام في هذه المقدمة عن اليوم الموعود لمهدي آل محمد (ص) المنقذ للبشرية من الضلال والدمار لتتميم مقادير الله عزوجل في خلقه إتماما للحجة وتحقيقا للعدالة بل إنما الكلام في علائم الظهور على اختلافها سندا ودلالة وتشخيص محالّ صدقها اجتهادا تبعاً لقرائن الحال والمقال وإن المدونات وإن راحت لتسرد الكثير من الأحاديث وتكللها بباقات من التأويل و شذى الاستحسان المدعوم بغور الآمال من لئالئ بحور العاشقين مشاهدة تجليات الحق تعالى لتشرق الأرض بنور ربها بعد ظلمات ليالي الجبارين والجاهلين لكن قضاءه تعالى فوق الرغبات وإن كانت من الوالهين المتطلعين إلى سماء ربهم .
        أجل راحت لتتناقل العديد من الكتب كثيرا من الأحاديث حيث صيغت بنحو كاد أن يظهر البعض منها بمظاهر القوة بعد كونها في أصولها ليست قادرة على الصمود أمام المتوغلين في أعماق بطون الأسانيد وأحوال الرجال وطيّات القرون إلا من أغمض الطرف عن سلسلة من مواطن الضعف والإصغاء إلى كثير من ملابسات دعوى الإتفاق وجبر المستندات بأمور لا تروي الغليل كما هو المشاهد لدى طائفة من الكتب بالنسبة إلى بعض مشاهير الأخبار لمن تابع في سيره بعيدا عن تقاليد أعطاها عظمُ الرجال معالم أمة فصارت من أسس مذهب أو دين وبعد الإعراض بالوجه عن كثير من الثغرات, سوف يجد الباحث المتأمل أن الكثير منها بعد تجاوز الصعاب في مقامات الاعتبار والدلالات شبه كبريات تشخيص مصاديقها من أشكل الأمور لولا أن تحفّ برغبات المتفائلين واجتهادات الراغبين تحقيقها في زمانهم وفي ربوع ديارهم وهذا ما جعل مشاهد تجليها رافعة أعلامها في كل عصر وزمان باعتقاد شريحة كبيرة من أبناء الطائفة.
وكيف لا يكون ذلك ومن حق المؤمنين في كل بقعة من بقاع الأرض حينما تتوالى صنوف البلايا والمحن أن يجدوا أنفسهم هم المعنيين بعلائم الظهور وأن زمانهم أجلى الأزمنة لصدقها وهل من خرق للموازين ومحق للقيم أشد وقعا في النفوس مما شاهده المضطهدون والبائسون والصالحون في ديار نسبت لأمراء المؤمنين وخلفاء النبيين من أمثال بني أمية وبني العباس والعثمانيين والعديد من المنتسبين لمذهب أهل البيت عليهم السلام أو ما عاشته الأمة في ظل غزو المغول والتتار وغيرهما سواء كانوا من المحتلين المتوحشين في مظاهرهم أو كانوا من المثقفين المتنحورين المتفلسفين الساهرين ليالي خلدهم يذرفون الدموع دما على المحرومين ويعلو شهيق صراخهم على طفلة يتيمة في كوخ في جوار عجوز عفى عنها تغريد رصاص زفَ حماتها إلى أعماق مقابر الأحرار المستشهدين والمظلومين المعذبين.
كما راح ليجد معالم الظهور متجلية من عاش مأساة الحربين العالميتين الأولى و الثانية ليقول بجزم و يقين: هل من طغيان وظلم ورعب هو أقسى مما تعيشه البشرية في ظل هذه العصور ، فلا ندري من هم أحق بالجزم وأجدر بصواب الرأي بشهود معالم الظهور لرايات منقذ البشرية ، هل هم من عاشوا في ظل المتقمصين حلل الأنبياء والأوصياء يقتلون و ينهبون ويفترون و يتجاوزون كل الحدود والقيم باسم الله تعالى وشريعة السماء أو من يرتكبون ذلك بما يناسب الزمن تحت غطاء بريق الألفاظ و لئالئ الكلمات وأكداس من المجوزات ثم يطلونها في ربوع الأرض ذهبية العرى فضية الكأس خمرية المذاق بعد المؤتمرات المهدئات والبكاء حتى على حقوق العجماوات .
نعم إن انتظار الفرج وتمنيه والاعتقاد الجازم بالمنقذ البشري من أجلى صفات المؤمنين لأن به تحقيق الغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين لكن ينبغي أن لا يدفع بنا ذلك إلى اجتهادات تدفعها الرغبات لتحديد معالم الظهور على عصرنا ثم الاندفاع من خلال ذلك إلى تحديد زمن الظهور أو دعوى الشهود بما يتحمله الأمر من توالي سقيمة أقل ما يفرض فيها أنها تكون مدعاة لأهل المطامع والأغراض والنفوس المريضة .
وإن من جملة العلائم التي ذكرت في المقام هي (إنحراف أهل الزمان وظهور الفساد والظلم) فإن مثل هذه العلامة وإن كانت بموازين العقل قبل إرشاد الشرع إليها من أهم العلائم التي لا بد أن تحدث قبل الظهور بل هي من شرائط الظهور أيضا إلا أن تحديدها في زمان خاص لا يكون إلا اجتهادا لأن الظلم و الجور ليس شيئا جديدا على وجه الأرض ولا من الأمر المستغرب على أهلها حتى تموج منه البحار و تتفجر منه براكين الجبال وتشقق منه السماء غيظا وسخطا ولا هو كذلك في أمة محمد (ص) التي ما احتاجت إلى أربعين يوما لتنقلب على الأعقاب بعد رحيل قائدها الأعظم سيد الكائنات محمد بن عبد الله (ص) كما حدث ذلك في أمة موسى (ع) .
فهاهي راحت لترمي من لا ينطق عن الهوى بالهجر و الهذيان واعتدت على وصيه وجمعت الحطب على دار من شيد الدين وقتلت أعداء الخلافة بمسرحية قتل الجن لأعداء اللهتعالى وزنت بالمحصنات في نفس الليلة التي قتلت الأزواج بعد ما أعطتهم الأمان ودافع قائد الأمة الأسلامية غير مختشٍ ولا مبال عن الغدرة الزناة بأنهم سيوف الله التي لا يجوز لولاة الأمر غمدها وبايعت بيعة الفلتات و قسّمت الأموال بالرغبات واعتدت تحت غطاء الجهاد و فتحت أسواق الرقيق تحت شعار الفتح وتهاونت عن شربة الخمور المتجاهرين بالفسق الشاربين له في بيوت الله تعالى ومئات المثالب الأخرى المعلنة غير التي رمم صدعها قوة السلطان والناس على دين ملوكها حتى احترق الأخضر و اليابس بواسطة بني أمية وبني العباس وغيرهم.
فصارت البدع سنة والدعوة إلى تقوية السلطان على حساب الدين شريعة يدعوا فيها وعاظ السلاطين تحت وابل من التوجيهات والذرايع والاجتهادات حتى عبّر عن هذه الأمة في القرن الثاني والثالث الهجري بأنها قطيع غنم حينما راح أهل الحل والعقد مرضاة للحكام الظالمين يطلقون شعارات مضللة باسم الدين قائلين : إن وجدتم آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر يخالف السلطان فاسندوا إمامكم واقتلوا مخالفيه وإن كان الحاكم من الجائرين الظالمين .
كل ذلك في ظل قطر ندى السلطان ناسين أو متناسين أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حتى قال بعد تمهيد الأمر له من قبل وعاظ السلاطين عبد الملك بن مروان: لا يأمرني أحد منكم بتقوى الله تعالى إلا ضربت عنقه بسيفي ولا أريد أن أحمّل جميع المأساة للحكام وأرقائهم من وعاظ السلاطين وأنا أعيش عرفانا لقول رسول الله (ص) : } كيفما تكونوا يولّى عليكم {.
أجل إنه منذ عزل وصي رسول الله علي عليه السلام ضرب الظلم والجهل أركانه في ربوع الديار الإسلامية فلا تجد غريبا من الأمر بعد ذلك إلا بحسب ما يناسب الزمان تألقا من الظلم و العدوان.
ولست في هذه العجالة وهذا المختصر أريد سبر التأريخ المظلم لحكام المسلمين الذي قام طيلة القرون يرفع شعارات الحق للتسلق إلى مئاربه الشخصية حتى فتح الأبواب أمام المعتدين وربما وجد المسلم فساد اليوم بكل أبعاده وشعاراته الفارغة من الديمقراطية والوحدة والاشتراكية أهون وطئا من العدوان باسم الله ورسوله حيث تكون الأيدي مطلقة لارتكاب أي جور وعدوان مادام الله تعالى والسماء معهم حيث تتجسد الازدواجية والنفاق بكل أبعادها باسم الدين لخدمة الطواغيت والمجرمين حينما يأخذ وعاظ السلاطين معاولهم لهدم الشريعة خدمة للسلطان حيث تصبح الأمة فريسة لكل من هب ودب باسم أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين .
أما خروج الرايات السود من خراسان فقد يعتبر حدثا يسبق الظهور وإخبارا بالغيب ولو كان بمئات السنين قبل الظهور فيكون من جملة المغيبات التي أخبر عنها الصادقون عليهم السلام وإن أمكن أن تدخل تحت عنوان شرائط الظهور والمعدات له لأنها من جملة المحن والبلايا في سجل التاريخ البشري أو الإسلامي بالخصوص ولكن الباحث المتأمل في هذا الخبر وغيره من الأخبار الواردة في الحديث عن خراسان وراياتها بعد غمض الطرف عن الأسانيد وكونها متعارضة من حيث المضمون ومتضادة من حيث المدح والذم وإن أريد بها رايات أهل زمان واحد.
فقد ينظر إليها بمنظار آخر اكثر دقة وتأملاً بعد إلقاء الأضواء عليها فإنه قد يجد المتأمل عليها بصمات أهل المصالح وتجار الدنيا باسم الدين بادية سواء كانوا من السياسيين أو القوميين المتعنصرين وسواء كانت البصمات من حيث التأسيس أو من حيث الدعم والإسناد وذلك مما يورث عند يقظة الضمير الكثير من الهواجس في القلوب لتلقي بمثل هذه الأخبار في مظان التهمة في عصر راح أهله كل بحسبه ليصعّد من إنتاج شركاته الخبرية القائمة على قدم وساق لدعم بعض التيارات المتصارعة على صعيد السياسة كبني أمية وبني العباس أو على صعيد القومية كالإصالة العربية والداعين إلى تشييد أركانها والساعين في مقابلهم على الحصول على موضع قدم من الكرامة في زمن لا يمكن الإعداد للقيم إلا على حساب الدين.
فلابد حينها من إسناد على لسان رسول الله (ص) أو أحد أهل بيته الكرام للحصول على مكانة تنافس المدّ القومي الأموي العربي ولقد كان هذا المدُ الإعلامي لمثل هذه الروايات بعد تحقق ضرورة إسلامية أجمع عليها العامة والخاصة إلا من شذ ممن عصفت بقيمه الفطرية والإسلامية عواصف الشقاق و حجبته عن شهود الحق حجب الظلمات عناداً واعوجاجاً ولعدم معرفة غاية بعثة النبيين تحت ضغوط رواسب الأحقاد التي تعمي القلوب من أنه لا تنتهي الدنيا ولو بقي منها يوم واحد لأطال اللهتعالى ذلك اليوم حتى يخرج رجل من آل محمد(ص) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً كما عن النبي (ص) ,ليلقي مثل هؤلاء بأنفسهم في هوة إنكار الضروريات في مسألة مهدي هذه الأمة والمنقذ البشري ولذا راحت الروايات تمشياً مع هذه الضرورة المسلّمة إسلامياً لتصاغ بما يخدم أغراض بعض الفئات المتخاصمة على المصالح في الساحة الإسلامية .
أجل هاهي أخبار الرايات السود تتجلى فيها صياغة أصحاب المصالح السياسيين والقوميين حيث تقول على لسان رسول الله (ص) : }إذا رأيتم الرايات السود قد خرجت من خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي { ولعلها لو صيغت لتخدم أهل الحجاز أو اليمن لكان المناسب عندها أن يقال : ولو مشياً على الجمر فإنه يكون أشد وقعا في النفوس حيث تكون أفضل الأعمال أحمزها لكن ماذا يمكن أن يصنع الأخصائيون في صناعة الحديث وهم يريدون الكلام عن بلاد يعلوها البرد لا الحر وتكون الرمية فيها حجراً لعصفورين يستأنس بها الساسة من بني العباس والقادة من أهل خراسان, فيالها من صياغة حسنة طالما مارسها أهل الخبرة من وعاظ السلاطين ونالوا عليها أحسن جزاء المحسنين.
وأما ما كان من علائم الظهور كقتل النفس الزكية فبعد اعتبار السند يجد الباحث أنه في كل زمان حصل فيه قتل للصالحين على أيدي الظالمين والجبارين يأتي السواد الأعظم بدوافع الحب لبعض الرجال المدعوم بشيء من البساطة في الرأي واجتهادات مستندة إلي كثير من الاستحسان ليشاهد تجليات النفس الزكية متحققة في بعض الرجال ثم يأخذ الأمر بالتصعيد حينما تفسّر عشرات المقارنات والمؤيدات لتعيين فرد معين من بين المستشهدين لكنها بعد فترة من الزمن سرعان ما تنخفض موجة التصعيد لتصبح بعد حين موضوعة في سلة المهملات ومنشأ ذلك كله أن العنوان قابل للإنطباق على مئات من المصاديق طيلة القرون .
ولا تبعد عن مثل هذه العلائم القابلة للإنطباق على العديد من المصاديق طيلة القرون بعض العلائم الأخرى نظير النجم المذنب أو الخسف بالبيداء أو الزوراء أو اختلاف أهل المشرق والمغرب أو اختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم أو قتل الحسني بناء على أنه غير صاحب النفس الزكية أو خروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم لمواليهم سواء أخذت بما تحمل من الظهور أو أخذت مع شيء من التأويل أو التفسير للموالي والعبيد أو ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام أو نزول الترك الجزيرة والروم الرملة.
بل قد يدخل تحت مثل هذا العنوان بعض العلائم الأخرى مثل الدجال والسفياني حيث اندفع البعض ليرى تحقق مصداقهما في بعض مكرة العصر وجناتها وإن كانت هذه العلائم أقل مصداقية بحسب القرائن من غيرها وإن كان من الممكن اعتبار هذه العلائم وغيرها مع صعوبة تشخيص المصداق فيها من جملة ما يقع طيلة القرون قبل الظهور لتكون بتمامها بعد اجتماعها للمتأمل فيها بشفافية فراسة المؤمن علائم تعطي القلوب سكينة وبعداً في التمييز إن بدرت بوادر الحق برايات منقذ البشرية لكي لا يقع أهل الله في شك وترديد في مواقفهم بازاء موكب طلعة الإيمان والنور .
و أما مثل روايات بزوغ الشمس من المغرب فهي علامة لم تحدث ليومنا هذا إن أريد بها المعنى الظاهر من التغيير في المجرى الكوني, لكن من المستبعد أن يغير الله تعالى سنن الكون بل و من المستبعد أيضا أن يغير سنن الدعوة إلى الرسالات السماوية و سبل الحق و ذلك ليبقي تعالى دار الدنيا دار اختبار و اختيار ليتهافت فيها إلى النور و حجة الحق (عج) أصحاب البصائر بمستوى سلامة فطرتهم و قوة عقولهم ثم ليلتحق به في المرتبة الثانية أصحاب المدارك الحسية ببعض مراتب العلم بما يقيم من المعاجز و خوارق العادات .
و أما تحقق بعض مراتب الدعم الإلهي الظاهرة المكشوفة بمستواها الحسي المحض فإنما تكون في آخر المطاف و المرتبة الأخيرة ليميز الله تعالى الناس بحسب اختلاف مراتبهم و إلا فلو أراد الله تعالى أن يهدي الخلائق إلى الحق و الصواب بمحض ما يكون من المدركات الحسية لما اختلف إثنان في توحيد أو نبوة أو إمامة أو عدل أو معاد و ذلك بكشفه لهم نيرانه و جنانه و ملائكته الكرام لكن ذلك لا يتناسب و الجهاد في سبيل الله تعالى لبلوغ مراتب العلم و اليقين لأشرف مخلوق ميزه بالعقل عن العجماوات حين يسير جهاده الأكبر في ميادين العروج و زكاة النفس و هو الإنسان.
و لكن قد يراد بهذه العلامة بزوغ شمس الحقيقة من المغرب و هي نفسه المقدسة (عج) بجعل بداية الدعوة بمراتبها السرّية قبل الإعلان جارية في تلك الديار لما فيها من أرضية العلم الخصبة وبعض الانفتاح لقبول الرأي المخالف و البعد عن روح الجدل المذهبي المقيت المبني على أسس الأحقاد بإسم الدين و إن كان بعد ذلك تستقر الدعوة في ديار الشرق لمصلحة لا يعرفها إلا الله تعالى حينما أراد أن تكون عاصمة السلام هي مدينة الولاء الكوفة عاصمة علي (ع) .
و إما أن يراد من بزوغ الشمس من المغرب الإرشاد إلى أرضية القبول لدعوة الحق في تلك الديار لبعدها عن روح الحقد و الشقاق بإسم الدين و الإصغاء لسماع الرأي الآخر المفقود عند الكثير من المنتسبين إلى الشرع القويم الذين منهم الدين براء أصحاب العقول المتحجرة الذين بنوا أسس دعوتهم على تكفير غالبية المسلمين بعد إقرارهم بالشهادتين فراحوا ليتظاهروا مكرا و خداعا على أنهم أغير على دين الله من اللهتعالى و أنبيائه و رسله و عباده الصالحين فهم مصداق قول علي (ع) : }قصم ظهري شخصان عالم متهتك و جاهل متنسك { و هم خلف خوارج النهروان .
و أما ما ورد من كون الدجال أعور وأن ربكم ليس بأعور فهو مما لا يمكن حمله على ظاهره,و لعل المناسب في المقام أن يكون من الرموز و الإشارات إلى منهج النقص و الانحراف في مقابل منهج التمام و الحق.
و أما أن بين عينيه مكتوبا أنه كافر و يقرؤه كل مؤمن كاتبا كان أو غير كاتب فيمكن أن يراد منه الإشارة إلى فراسة المؤمن التي بها يصبح قادرا على تشخيص الدجال بأفكاره و أعماله لا بادعاءاته و مظاهره.
و أما أنه يقول أنا ربكم أو ينادي إليّ أوليائي أنا الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى أنا ربكم الأعلى و أنه يأمر السماوات أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت,فهو يناسب التقنية و ما وصل إليه البشر من العلم الذي أبهر أعين الناس فأنساهم ذكر الله العظيم فراحوا ليعبدوا أهل الدنيا.
فالدجال قد يكون من أصحاب العلم الذين يستعملون علمهم في الضلال و المكر و إلا فما معنى أنه أعور و أنه مكتوب بين عينيه أنه كافر و أن ربكم ليس بأعور.
و قد حاول البعض أن يعطي جميع الروايات تأويلا أو تفسيرا بما يراها مناسبا في المقام ففسّر الدجال بالرمز للتيار الكافر المادي الذي يهيمن على وجه الأرض في آخر الزمان و فسّر السفياني بالتيار الديني المنحرف القائم على العنف و سفك الدماء المدعي من الديانة و الإيمان ما لم تدعه الأنبياء و ذلك لاعوجاج في فهم لمعالم الرسالة و راح ليفسر الخسف بغضب الله تعالى و إنتقامه من المجرمين وإنتهاء ألاعيبهم و يفسر بزوغ الشمس بعد مغيبها بظهور نفس الإمام(عج) بعد غيبته الكبرى و يفسر اليماني بالتيار الصالح المؤمن لأنه رمز الإيمان و السلام و يفسر الخسوف و الكسوف بإنكدار معالم الدين و إندارسها و يفسر النار التي تخرج من الحجاز و تضيئ لها أعناق الإبل في بصرى بنور المهدي حيث لا يحجبه حجاب الباطل و يفسر الصيحة من السماء بنداء الحق الذي يهيمن على وجه الأرض فيوقظ أهل الدنيا من نومهم ويفسر كون الصيحة في شهر رمضان بأن السلطان الإلهي إنما يكون متجليا في الأيام الربوبية لأن له تعالى أياما يوقظ بها النائمين و يفسر النداء من السماء باسم المهدي و النداء من الأرض باسم ابليس بصراع الحق و الباطل و أن نداء الحق يأتي بعظم و سمو في آخر أيام الدنيا ليدحض نداء الأرض الذي طالما حكم ظلما وزورا فيكون كل من الحق و الباطل مكشوفا لم يقع بينهما التباس و اختلاط إلى غير ذلك من التفاسير لكثير من علائم الظهور.
فنقول : لا مانع من كل ذلك مادام يراد منه الاحتمال و الترجيح و الإفتراض و إن كانت بعض المحتملات راجحة يستذوقها و يستحسنها الطبع لكن هذه المحتملات لا يمكنها أن ترقى إلى صعيد القطع وتتصدر صدارة العلم.
و هاهنا لابد من الإلتفات إلى أمر و هو أن الدجال لو كان مكشوفا بدجله لعامة الناس لما كان دجالا بل لابد و أن يكون يحمل الدجل بأبعاده بواقع نفسه و إن كان بحسب الظاهر يتردى رداء الصالحين فيستميل قلوب العامة لأنه يمزج الحق بالباطل و الباطل بالحق فلا يلمس دجله و مكره إلا أهل البصائر الذين إمتحن الله تعالى قلوبهم بالإيمان.
فهو على دين أبناء الدنيا و هم السواد الأعظم في كل عصر و زمان و إن أمكن أن يكون الدجال على صعيد عالمي يتبعه عامة الناس و يرون فيه معالم الخير جياشة.
و قد يراد من الدجال تجلي سبل المكر و الخداع باسم السلام و العدل و من السفياني تجلي سبل العنف و القسوة باسم الدين و أنهما يبلغان قممهما قبل الظهور أو حينه فيستسلم لهما أكثر أبناء الأرض و ذلك لما عليه أهل الدنيا من الإستسلام لمواقع الهيمنة و السلطان أو المكر و الخداع حيث أن هذه سنن أبناء الدنيا ذلا بأزاء الجبارين و انخداعا بأزاء الدجالين.
و بالجملة إن بعض روايات علائم الظهور قابلة للنقاش السندي أو الدلالي أو المصداقي وإن ورد بالنسبة إلى بعضها كمجيئ السفياني أو اليماني أو الصيحة من السماء أو قتل النفس الزكية أو الخسف بالبيداء أنه من المحتوم لكن ورود كلمة المحتوم في بعض الروايات لا يجعل الشيء محتوما ما لم يكن السند قطعيا بل متواترا لأن الكلام عن مواطن اليقين لا عن محال الإعتبار تعبدا.
و أما كون البعض منها قطعي السند و الدلالة كمسألة الدجال أو غيرها فإن ذلك لا يعني أن تشخيص المصداق يكون واضحا لدى العامة بل لعل الكثير من هذه العلائم سوف تمر عند الظهور على أغلب الناس مرور الكرام لما هم فيه من حجب الغفلة و عليه فمن الأجدر في المقام أن يقال: إن أكثر هذه العلائم إنما هي منبهات لأهل البصائر من عباد الله المخلصين ليعدوا العدة بصفاء نفوسهم و شهودهم للحق في مواطنه ليوم الظهور.
نعم قد يحصل قبل الظهور أمر يكون من قبيل الإلهام بالنسبة إلى عامة البشرية إعدادا للنفوس ليوم الظهور حتى بالنسبة إلى غير المسلمين كما حصل ذلك بالنسبة إلى محمد (ص) قبل ولادته و حين دعوته.
و أما مثل الروايات التي تقول: أول من يقبّل يده جبرائيل(ع) و يبايعه ثم يصبح رِجلا على بيت الله الحرام و رِجلا على بيت المقدس وينادي بصوت طلق زلق تسمعه الخلائق> أتى أمر الله فلا تستعجلوه <[1][1] ثم يصيح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي يسمعه من في السماوات و الأراضين: يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمد و يسميه باسم جده رسول الله (ص) و ينسبه إلى أبيه الحسن العسكري قائلا بايعوه ولا تخالفوا أمره.
فمثل هذه المنهجية في الدعوة إلى الحق في الوضوح لو أريد منها ظاهر المقال لناسب أشراط الساعة لا علائم الظهور حيث أنها تنهي النزاع بين الحق و الباطل على وجه الأرض وتلجئ الناس إلى الاستسلام للحق كما لو أظهر اللهتعالى جنانه و نيرانه ولكن الله تعالى يريد الأبواب حتى عند الظهور مفتّحة لكل من سبل الحق و الباطل و إن كان عندئذ تبدو معالم الحق الإلهي أكثر وضوحا من سائر الأزمنة .
أجل قد يراد من هذه العلائم التأييد الباطني الخفي الذي لا يراه و لا يسمع نداءه إلا الصالحون من أولياء الله تعالى .
و الله تعالى المسدد للصواب و هو العالم بحقائق الأمور اللهم ثبتنا على دينك و عجل فرج وليك الأعظم فقد ضاقت بنا المسالك و تشبهت علينا الأمور و تكاثرت الرايات و أنت أرحم الراحمين و السلام عليكم و رحمة الله وبركاته.






[1][1] : نحل 1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق