الأربعاء، 24 أبريل 2013

@ شرح خطبة الشقشقية المحاضرة رقم 3



شرح خطبة الشقشقية للإمام علي عليه السلام
كتبت من محاضرة صوتية ألقاها سماحة الشيخ محمد كاظم الخاقاني قبل سنين في الكويت


هي ليلة الحزن والأسى لذكرى استشهاد إمام الموحدين أمير المؤمنين علي (ع) بأيدي الجهل والخيانة والغدر، يُقتل سيّد الأوصياء، وتُقتل النفس التي هي نفس رسول اللَّه (ص) بمنظر ومشهد من المسلمين، بلا أن يحسّ المسلمون بما وقع وجرى؛ لأنّهم ابتعدوا عن شريعة رسول اللَّه (ص) ، فهان عليهم هذا الخطب الجسيم.
خمسٌ وعشرون سنة يعيشون الظلمة تلو الظلمة، والانحراف تلو الانحراف، حتى وصلت الحالة بهم إلى أنّهم لا يستنكرون قبيحاً، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر؛ مرضاة للحكام؛ وتبعاً لوعّاظ السلاطين.
لقد وصلنا في الخطبة إلى قول الإمام (ع): ( ينحدر عنّي السيل) وقد تقدّم المعنى الأول، ونحن الآن بصدد المعنى الثاني، فنقول: لعلّه يريد أن يشير إلى أنّ عالم الإمكان كما هو قاصر أن ينال الوحي بلا واسطة فاحتاج الناس أن يعرفوا كلام اللَّه والوحي بواسطة الأنبياء، وأن تُشرح لهم الحقائق بواسطة الأوصياء، وتطبق لهم كذلك الأنظمة الإسلامية، فلعله أراد أن يشير أيضاً إلى أنّ عالم الإمكان قاصر من أن ينال الفيض الإلهي بدون أشرف الكائنات، فلابدّ وأن يكون الفيض جارياً بواسطتهم على الكائنات، فكانوا أنواراً لفيض اللَّه تعالى، أمّا أنهم كيف كانوا؟ وكيف سبقوا العالم في الخلق؟ فأمرٌ لا نفهمه، ولا نتمكّن من إدراكه إلاّ بمقدارٍ ما؛ وذلك إما لأنّ الأقدمية للأشرف ثم الأشرف، فمن كان أكثر سعة في وجوده يكون سابقاً في الخلق والإيجاد، ثمّ تأتي العوالم شيئاً بعد شي‏ء، فكلّ متقدم وواسع في وجوده وهيمنته يكون متقدّماً على الوجود اللاحق، وهكذا تكون العوالم، لقد بدأ اللَّه الخلق بالصادر الأول، ثم بدأ التعيّن بمخلوقه الأول، سواء سمّي بالعقل، أو سمّي بالروح المحمّدية، فهناك أمور ذكرها الفلاسفة، وهناك أمور ذكرها العرفاء: بأنّ الصادر الأول هو الوجود الجامع، والكون الجامع الذي هو المظهر لاسم اللَّه، وبقية الأمور مظاهر لأسماء شتى.
فذكر القرآن المجيد على أنّه قبل هذا العالم قد أخذ اللَّه علينا الميثاق، لكن في أيّ كون؟ وفي أيّ محلّ أخذ علينا العهد؟ وفي أيّ محلٍّ عرضت علينا الأمانة؟ وفي أيّ محلٍّ قبلنا الأمانة الكبرى وردّتها الجبال والسماوات والأرض وأبَيْنَ أن يحملنها؟ لا ندري، ولكنّها حقائق وعلوم لعلّها تنكشف لدينا يوم القيامة، أو بعد ذلك.
فإذن: لعلّه يريد أن ينبّه بقوله: ( ينحدر عنّي السيل) على أنّ سيل التشريع قاصر أن يصل إلى البشرية بدونه (ع) بعد الرسول (ص) ، أو أنّ سير التكوين كان كذلك قاصراً أن يصبّ على الخلائق والكائنات قبل أن يمرّ على هذا الفيض، ولعل المراد: الإشارة إلى أشرفية الكائنات، فهناك أقوال مختلفة من أنهم أشرف الكائنات، أو هم الغاية للكائنات، فكل شي‏ءٍ لابدّ وأن يصل إلى الخلق من طريقهم، ولعلّ المراد كما قال الذين قالوا بالوساطة التكوينية، فإذن الاحتمالات كثيرة.
( ولا يرقى إليَّ الطير) وقد تقدّم المعنى الأول، وأمّا المعنى الثاني، فلعل المراد منه: على أنّ من كانوا واسطة في التكوين وهم يسيرونها كمالاً بعد كمال، وعروجاً بعد عروج نحو الحق تعالى، هذا الرقي في تشريعه وتكوينه لا يمكن أن يصل إليه أحدٌ؛ لأنه جبلٌ عظيم، فكلّ سائرٍ ينظر إلى هذا الجبل فيقتبس منه شيئاً للعروج، لا أنه يتمكّن أن يتوصّل إليه، فلا طير تكوين، ولا طير تشريع يتمكّن في صعوده وعروجه أن يصل إلى علي (ع).
( فسدلت دونها ثوباً) : سدلت الثوب أي أرخيته، وجعلته حجاباً بيني وبين شي‏ءٍ آخر، فمثلاً أقول: سدلتُ عباءتي هذه بيني وبين الجماعة أي جعلتها حجاباً، فسدلت أي أرخيت بيني وبين الخلافة ثوباً، وهو كناية على أنّه أعرض عن الخلافة لمّا وجد القوم يتصارعون عليها؛ نهمة في الدنيا وزخارفها لضعف الإيمان واليقين.
( وطويت عنها كشحاً) الكشح ــ كما قالوا ــ : هو ما بين الخاصرة إلى آخر الضلوع، وهو كناية على أنّه أعرض عن الخلافة، وطوى كشحاً أي أعرض بجانبه عن الشي‏ء إلى جهة ثانية.
وهنا كلام قد يأتي، وهو: أنّ علياً (ع) يقول: سدلت دون الخلافة ثوباً، وطويت عن الخلافة كشحاً أي أعرضت عنها، والحال ــ بعد أسطر سيأتي ــ أنّه يقول: ( وطفقت أرتئي) ، يعني: أخذت وشرعت أردّد التجوال والفكر، أي: أفكّر؛ طلباً للرأي، بين أن أصول بيدٍ جذّاء، واليد الجذّاء هي اليد المقطوعة، أو المكسورة، فإن كان حينما وجد القوم يتصارعون على الدنيا أعرض عنها، وطوى عنها كشحاً، وسدل دونها ثوباً، كيف يقول بعد ذلك: ( وطفقت أرتئي) يعني: وأخذت أفكّر ( بين أن أصول) والصولة هي الهجمة بشدّة، وهي جعل النفس في مورد شديد، وإلقاءٍ شديد، يقولون: صال وجال أي هاجم بشدّة، وأخذت أفكّر بين أن أصول أي أهاجم القوم لكن بيد مقطوعة، وهو كناية عن عدم الناصر والمعين، فإن كان (ع) أعرض عن الخلافة والزعامة، فكيف يفكّر أن يصول على القوم؟ وكأنّه يقول: لو وجدت ناصراً لأدّبت هؤلاء المغتصبين المتلاعبين باسم الدين، فكيف طوى عنها كشحاً وسدل دونها ثوباً والحال هو يفكّر في الصولة على هؤلاء المنقلبين على الأعقاب؟ فكيف نجمع بين هذين الأمرين؟
وهنا يجب التوجّه، حيث تقدّم في بحث الإمامة أن قلنا هناك في شرح الخطبة للصدّيقة الطاهرة فاطمة سلام الله عليها، التي شرحها المرحوم الوالد ، وقد كتبتُ في الإمامة مقدّمة لهذه الخطبة، وقلت: إنّ هناك أمرين: الأوّل هو من شأن الحق تعالى، وما أخذه اللَّه تعالى على نفسه؛ رحمة ولطفاً بحال العباد، والثاني هو من وظيفة المجتمع من بعد ما يتم البيان، فقد أخذ اللَّه تعالى على نفسه رحمة بحال العباد لكي يصلوا إلى الكمال والدرجات الرفيعة بأن أعطاهم فطرة وعقلاً، وبعث لهم الأنبياء، ثم جعل لكلّ نبي أوصياء يشرحون الرسالة، لكي لا تصاب الرسالة بزيادة أو نقصان، أو بإفراطٍ أو تفريط، ولا تصبح الرسالة مفسّرة بأيدي إنسانٍ يعيش الهوى والجهل والكثير من الأخطاء، فأراد اللَّه تعالى ــ إتماماً لرحمته ولطفه ــ أن تعيش البشرية بعد كلّ نبي بهدي الأوصياء على سبيل الحق، لكي لا ينحرفوا عن الطريق المستقيم، فجعل لكلّ نبي أوصياء حتى تصبح الرسالة حياة المجتمع وحضارتهم، فلا يحتاج بعد ذلك إلى قانون ومحكمة وتخويف يوقفه عن خمرٍ، أو عن ظلم وعدوان وجريمة، فحضارته الإسلامية، وقربه من اللَّه تعالى، يجعله يسير بخطى الإسلام، هكذا أراد اللَّه للبشرية، لكن هل على اللَّه أن يجبر الأمم على قبول تطبيق الشرائع بواسطة الأوصياء؟
فلو أراد اللَّه تعالى أن يجبر البشرية على العمل على طبق الرسالات السماوية لما كانت الدنيا دار اختيار واختبار، واللَّه تعالى قادر أن يحكّم على وجه الأرض سليمان بعد سليمان، وقادر أن يجعل الأرض بيد أوليائه، فلا يبقى متكلّم يتكلّم بضلالة، ولا ترفع راية لأمثال معاوية وغيره من الماكرين باسم الدين، أو غير الدين، لكن في هذه الحالة لا تكون الدنيا كمالاً، ولا تكون دار اختيار واختبار؛ لأنّ الكلّ يكون مجبراً على السير على الهدى؛ خوفاً من سلطان الحق، فبعد رحيل الأنبياء تكون وظيفة الناس أن يأتوا إلى الأوصياء، ويطلبوا منهم، ويصرّوا عليهم، بأن يقوموا بتنفيذ الرسالة، ولذا فنحن شاهدنا سيرة علي (ع) بعد وفاة رسول اللَّه (ص) ما نازع أحداً في خلافة أو زعامة حتى تسابق إليها الأول والثاني، وأصبحوا أُسُوداً في ذلك اليوم، فضربوا الأنصار، وسحقوا النصوص والشورى، وسحقوا كلّ الموازين، فجدّدوا قانون الجاهلية والسيف، ونشاهد مرة ثانية ــ بعد مقتل الخليفة الثالث ــ أنّ علياً (ع) ما قام وخطّط للقيام ضدّ الخليفة الثالث، فما كانت لـه يدٌ لإسقاط الخليفة الثالث، ولا كان متسابقاً ولا معرّضاً حكم الخليفة الثالث للسقوط، بل ثلاثة أيّام والمسلمون يصرّون كلّ الإصرار حتى تقبّل أن يقوم بالأمر.
فإذن: القيام بالأمر هو وظيفة الناس، بأن يطلبوا من الأوصياء تطبيق الشريعة، فهذا أمرٌ يرجع إلى مصالح المجتمع، شاء الناس أن يسمّوا يزيد بن معاوية خليفة لرسول اللَّه (ص) ، أو شاؤوا أن يسمّوا علياً (ع) خليفة لرسول اللَّه (ص) ، وأمّا خلافة تقوم كذباً وافتراءاً باسم الدين فهذه يقابلها الأوصياء؛ لتقام الحجّة بقدر البيان والتحذير، فكم قتل وسفك المتآمرون والجائرون الدماءَ باسم شريعة رسول اللَّه (ص) ، وتعدّوا على الأعراض باسم الدين والإسلام، وقسّموا الأموال على حسب رغباتهم، فقال علي (ع): ( فسدلت دونها ثوباً) أي دون الخلافة والزعامة ثوباً، لا أنّه سدل دون الخلافة الإلهية، بل بحدود المراد سدل ثوباً من الثبات؛ لإقامة الحجة بالبيان، وعدم كتمان الحقيقة، والدفاع عن المظلوم.
ففرق بين خلافة ترجع للمجتمع تصارعوا وتناحروا من أجلها، فهذا أضاع كلّ الموازين من أجل سنتين وثلاثة أشهر إلاّ خمسة أيّام، والثاني من أجل عشرة أو ثمان سنين، فعلي (ع) ما كان لينازع القوم سلطة وحكماً وولاية دنيوية، لكن خلافة باسم الرسول (ص) تتعدّى على الأعراض وتسفك الدماء هذا الذي يقول عنه علي (ع) : ( وطفقت أرتئي) ، فتركتُهم وخلافتهم، ( فسدلتُ دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً) ، لكن يا ليتها كانت زعامة وخلافة لا باسم رسول اللَّه (ص) ، ولا باسم اللَّه، فلما وجدتها خلافة تسحق القيم، وتبدّل الحقائق، وتشوّه الأمور، ويفترى فيها ما يفترى، ويتعدّى فيها على الأعراض والموازين، وإذا بالأول يقول: لا والله لا أشيم([1][1]) سيفاً سلّه الله على الكفار([2][2]) ، ويقصد بذلك سيف الغدر والزنا ! فيا عجباً من سيف يتجاوز على أعراض المسلمين بعدما أعطوا الرجل الأمان، وهذا التاريخ شاهد، والتاريخ الذي هو بيد صاحب السلطان كتب بهذا المقدار، وكم من حقيقة خفيت لقوّة السلطان وتلاعب وعّاظ السلاطين، لكن مع كلّ سلطانهم كتب عليهم التاريخ ما كتب، فما استطاع التاريخ ــ مع وجود المتملّقين الذين يذهبون وراء الدرهم والدينار ــ أن يكتم كل الحقيقة.
أجل، ما استطاعوا أن يخفوا عدوان خالد بن الوليد على مالك بن نويرة وعلى عرضه، فجاء الخليفة الأول ــ تأييداً للغدرة الزناة ــ ليقول: لا والله لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكفار، وسكت الأنصار والمهاجرون بإزاء قوة السلطان الذي لا يقف عند حدّ ولو اقتضت مصالحه أن يحرق بيتاً كان عليه قوام الدين، لفعل ذلك، كما كان بالنسبة إلى بيت فاطمة سلام الله عليها، فأين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر في موارد الاحتياط على الطهارة والنجاسة عن مثل هذه الأفعال؟
فيقول علي (ع): لمّا رأيت هذه الخلافة ( وطفقت أرتئي) ، يعني: أفكّر؛ طلباً للرأي، ( بين أن أصول بيدٍ جذّاء) يعني: أهاجم القوم لكن بيد مقطوعة، أو مكسورة، فأراد أن ينازع أبا بكر بواسطة أنصار لكنه ما وجد أنصاراً لذلك.
أجل، اعترض على خالد الخليفةُ الثاني، فأسكته الخليفة الأول، لكن عندما جاء الدور إلى الخليفة الثاني لم يطبّق على خالد، لا حكم الغدر، ولا حكم الزنا، بل أبقاه آمراً على الجيش في نواحي الروم، وإنما سلبه بعض رتبه العسكرية، ولا ننسى أنّ هناك خلافات شخصية بين خالد وبين الخليفة الثاني، فبعث كتابه بسرعة إلى الشام ليعزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش، وبهذا الفعل عرّفنا الخليفة الثاني كيف يكون تطبيق الإسلام للحدّ على الزاني، بأنه يُعزل من قيادة الجيش، فأراد الإمام علي (ع) بكلامه ( وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء) أن يردّ الأمور إلى عهد رسول اللَّه (ص) لكنّه لم ير ناصراً، وما كان يريد أن ينازع القوم في خلافة، أو زعامة، بل أراد أن يردّ الأمور إلى الصواب وطريق الحق، وقد قال عمر: ( من ذا ينازعنا سلطان محمد؟) ([3][3]) ، هكذا فهم الخليفة الثاني معنى الخلافة التي قلنا سابقاً: بأنها هي اسم اللَّه الأعظم في مواطن الفعل، وما كان هذا المنصب
لإبراهيم (ع) إلاّ عندما ابتلي بتلك الأمور العظيمة، وما كانت الإمامة لأحد إلاّ لعظماء الأنبياء؛ لأنّ الكثير من الأنبياء ما كانوا أئمّة.
فهذا المقام كان يتكلّم فيه علي (ع) لا عن سلطان محمد رئيس قبيلة من العرب، أو قريش كما يزعم القوم.
فإذن: لا يتصوّر متصوّر أنّ هذه الخطبة فيها تناقض بين صدرها وذيلها.
فإذن: هو (ع) أراد أن يصول لو وجد ناصراً؛ ليوقف القوم عن تفسيرهم الخاطى‏ء للرسالة، وعن تطبيقهم الخاطى‏ء للرسالة، لا فيما بينهم من النهمة على الدنيا وشؤونها.
( أو أصبر على طخيةٍ عمياء) يقول: فبقيت أرتئي يعني: أفكّر بين أن أهاجم القوم بشدّة؛ لأرجع الشريعة إلى مجراها في بيانها وتطبيقها لكن بيدٍ جذّاء، يعني: بلا ناصر، ولا معين، أو أصبر على طخيةٍ عمياء، يعني: أصبر وأنا أشاهد التلاعب باسم الدين والموازين، والطخية هي الظلمة التي لا يُهتدى فيها إلى الحق، فيقول: أوصلوا أمر الشريعة السمحاء، أمر النور والهداية، إلى ظلمات فوق ظلمات، حتى أصبح الإنسان لا يتمكن أن يهتدي إلى سبيل الحق؛ لتراكم الظلمات.
فما هي آثار هذه الطخية المتراكمة يا علي؟
قال: ( يهرم فيها الكبير) لا يريد أن يقول: يهرم فيها المنقلبون على الأعقاب؛ لأنّه لا حسرة ولا ندم ولا تألّم ولا ضمير يؤنّب ولا نفس لوّامة لكي يهرم فيها الكبير، بل يهرم فيها أمثال أبي ذر والمقداد وسلمان، فيهرم فيها أمثال هؤلاء الأوتاد الذين يعيشون حياة الضمير وسلامة الفطرة، أمّا الذين جاؤوا يقبّلون الأيدي والأرجل من أجل درهم ودينار ومن أجل سلطان زائل يمرّ كالوهم والخيال فهؤلاء لا يهرمون؛ لأنّهم لا يحسّون حتى يهرموا، ولا يبصرون حتى يشاهدوا، ولا يسمعون حتى ينكروا أمراً،
فالإمام (ع) يتألّم ويعيش الأسى على أصحاب رسول اللَّه (ص) الذين كانت لهم المواقف المشرّفة، كيف سكتوا؟ وكيف أيّدوا؟ وكيف نسوا الرسول (ص) وهو بعدُ لم يُقبر؟ فيهرم فيها النخبة الطاهرة و ( يشيب فيها الصغير) الواعي والمدرك الذي يعيش الوجدان والضمير، فهذا يشيب في مثل هذه الظلمات؛ لأنّه يعيش الكدر لما يشاهد من الظلمات باسم النور
.
ثم قال: ( ويكدح) أي ويسعى ويبذل جهده فيها مؤمن حتى يلقى ربّه، فالمؤمن في مثل هذه الطخية الظلماء لا يتمكن أن ينظر، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولا يتمكن أن يعيش تقية تضيع بإزائها الشريعة بأبعادها كما عشناها اليوم باسم الدين، فعاش المؤمنون تبعيداً وتشريداً واضطهاداً وقتلاً وسجوناً، فاستشهد منهم من استشهد، وقتل منهم من قتل، فهم يحاولون أن يقفوا أمام هذا التيار الباطل الذي يفعل ما يفعل باسم الدين، ويكدح فيها أي يسعى كل سعيه، ويبذل كلّ جهده المؤمن من أجل أن يوقف هذا التيار المنحرف، وتبقى هذه المأساة معه حتى يلقى ربّه؛ لأنّ المؤمن في مثل هذه الطخية العمياء يعيش الحزن والأسى والبلاء، فهو يقدّم نفسه، ويقدّم كلّ غالٍ ونفيس من أجل أن تتراجع الأمة الإسلامية إلى الحقّ، لكنّه لم يَرَ لذلك ناصراً ومعيناً، فيقول: ( ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه) ، فلمّا رأيت الأمر هكذا ( فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى) أصول وأضحّي بهذه النخبة الطاهرة التي تتسابق أمامي لنصر الدين ضدّ كلّ جورٍ وبطلان كأبي ذر والمقداد، فإن وقفت قدّمت هؤلاء تضحية وقرباناً بلا نتيجة، فلمّا أخذت أفكّر بين الأمرين رأيت: ( أنّ الصبر على هاتا أحجى) أي أنّه أقرب إلى العقل والصواب، فصبرت على ما يجري، لكن ليس معنى الصبر هو السكوت، بل الصبر عن القيام لإسقاط نظام الجور، لا الصبر على السكوت، فلو كانت أئمتنا قد سكتوا في مقابل الباطل لاحترمهم وقدّرهم الجناة والطواغيت، ولو كان أبو ذر وأمثال أبي ذر قد سكتوا عن الباطل لعاشوا القرب والرفاه في جنب بني أمية وبني العباس وغيرهم، وسنبيّن ما المراد من الصبر والسكوت، فلا يتصوّر متصوّر، كما وجّهنا اليوم أعمالنا فجعلناها جميعاً تحت غطاء التقية، فأصبحنا ننافق باسم التقية، ويسمى المدافع عن المضطهدين والمظلومين سياسياً، وأن السياسة ليست من شأن العلماء، فسنبيّن على أنّ التقية لو كانت كما فسّرناها اليوم لما تواجه الأبرار والصلحاء مع بني العباس وبني أمية ومن سموا أنفسهم بخلفاء الرسول (ص) ، ولما وقع هؤلاء الأبرار فيما وقعوا فيه من السجون، ولما قتلوا وشرّدوا وهدّمت دورهم واستبيحت أموالهم وأعراضهم.
والحمد لله ربّ العالمين




[1][1]ــ لا أشيم: أي لا أغمده. أنظر: لسان العرب، ابن منظور 12 : 330 ، وتاج العروس، الزبيدي 8 : 362 .
[2][2]ــ الطبقات الكبرى، ابن سعد 7 : 396 .
[3][3]ــ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري 1 : 21 ، وتاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري 2 : 455 ضمن حديث السقيفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق