الاثنين، 12 مايو 2014

3- ما معنى ليظهره على الدين كله

الإمام المهدي عج 3
قال الله عزوجل : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). فنحن أيها الإخوة والأخوات بصدد التأمل في العلل والمناشئ التي دعت البشرية للإعتقاد بالمنقذ أو المهدي المنتظر, هذه الدواعي وهذه البواعث التي دعت إلى هذه الفكرة قلنا نريد أن نتأمل فيها هل أن جذورها فقط تعود إلى آية ورواية ومنهج دين ومسلك إسلامي أو شيعي أو هي على صعيد رسالات السماء طراً إسلاما و يهودية ونصرانية.
من تتبع يجد أن ذلك لا يرتبط بدين الإسلام فراحت النصرانية واليهودية لتبشر بمنقذ وهكذا راحت الإنسانية لتعلق جميع آمالها على يوم تخرج البشرية من ظلماتها إلى حياة الكرامة والعدل لكن يوجد هناك من الشذاذ من الذين ينكرون البديهيات ولا يمكن أن يجعل أي عاقل شذاذا لضرب قاعدة أو مقسم مشترك بشري فالله تعالى وهو الصادق الذي لا يتردد مؤمن في صدق ما ورد في كتابه المجيد الذي يقول هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، هل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليكون في مكة والمدينة أو يكون مقاما على صعيد أمة إسلامية فقط أو أنه أراد دينا يكون منتشرا قائما علما وعملا على صعيد الإنسانية؟ كل متأمل يجد أن الله وعد أن هذا الدين الذي هو دين الخاتمية لا يمكن أن تطوى الأرض إلا ان يكون ظاهرا على كل الأديان وعلى كل الأرض يعني ليظهر هذا الدين على كل الأديان ليكون هو دين الإسلام الذي بدأه بآدم(ع) وختمه بمحمد (ص) فهذا وعد الله الذي لا يمكن أن ينكره منكر أما قول القائل جهلا أن الدين جاء وتحقق في عهد رسول الله فهو يغالط نفسه و إن قال أنه تحقق على عهد الرسول (ص) نقول حتى لو كان متحققا فهو على صعيد أمة معينة وثانيا كيف يجوز لعاقل أن يدعي تحقيق دين على يد من كان يحققه اجتهادا وباختلاف الرؤى فهذه هي الأمة إن جئناها على صعيد الصحابة لوجدنا الدين مختلف فيه قد رآه علي عليه السلام بشكل ورآه بقية الصحابة كل بمنظاره وهاهي الأمة ليومنا هذا منقسمة على نفسها فهما و تطبيقا للرسالة،فلم يتحقق من شرع الله ما يمكن ان يقال فيه انه عين القطع و اليقين بل هي اجتهادات و آراء و من وراء أحكام ظاهرية و روايات معتبرة اعتبارا لا من باب الجزم و اليقين بصحة سندها.
ونحن أيها الإخوة والأخوات بصدد التأمل في العلل والمناشئ التي دعت البشرية للإعتقاد بالمنقذ حيث يكون برؤى رسالات السماء ذلك المنقذ لسان صدق لظهور الدين كله دين محمد (ص) و هو ذلك الدين الذي قد اختلفت الناس فيه من بعده حيث انشعبوا الى ثلاث وسبعين فرقة فاختلفوا فيه رواية وتفسيرا وعدلا، فلابد وأن يحقق ذلك الدين بوعد من الله تعالى تحقيقا علميا لا يحجبه جهل ولا ظلم ظالم ولا عدوان طاغية ولا تحريف ماكر ولا دجال وقد قلنا إن من جذور ودواعي هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ أو المهدي هو التأمل في لطف الله تعالى وقد تكلمنا عن اللطف الواسع بحال العباد وعلى الإنسان ان يتأمل في المراد من اللطف حتى لا يمر عليه مرور الكرام وحاشا الله ان يجعل لإنسان على وجه الأرض الحجة البالغة والله قد أتم لطفه بأنبياءه وأوصياء الرسل والعقل وبكل جوانب اللطف كرما وجودا و جعل وراء ذلك وهو تطبيق العدالة في الخارج مسؤولية على عواتق البشر الذين راحوا ليقبلوا حتى شربة الخمور أئمة للمسلمين أجل هكذا هي الغواية.
وقد قلنا أيضا إن من دواعي هذه الفكرة أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن بل من المستحيل أن يطوي سجل الأرض بدون ان يظهر بجميع أسماءه وصفاته ومن أعظم أسماءه وصفاته العدل فلا يمكن أن يترك الله تعالى الدنيا منتهية بدون أن يظهر بواقع عدله لا على أيدي المكرة الذين تلبسوا بلباس دين إسلامي أو يهودي أو نصراني فالدجال دجال و لو كبّر عمامة وأطال لحية والمظاهر لا تبدل حقائق الأمور فعدل الله واقع كرامة وعلم يخرج من الجهل، كرامة إنسانية بها يعيش البشر الرحمة والإخاء والمساواة، و الإدعاء للحق لا يبدل واقعاً فهو عدل الله لا عدل الماكرين.
وقد وجدنا ان هذه المعارف سواء على صعيد العدل أو اللطف الإلهي وجدناها بعظيم قممهما حينما تكون بمنظار الجاهلين تكون خرافة ولذا راح الكثير من أبناء العامة ليقول أنها فرية من الشيعة ونسي أنها كلمة قالها قاطبة المسلمين وقالها اليهودي والنصراني هكذا يكون العمى حينما تاتي النزاعات الطائفية لتسلب عقلا ولتسلب بصيرة وشهودا لروايات مسلّمة بين أبناء العامة والجماعة أنفسهم،و المنكر مع كل ذلك لمسألة المهدي المنتظر ينسب نفسه لمذهب التسنن فإذن نحن لا نريد أن ننزل إلى مستوى جهلة ومعاندين لم يقرأوا حتى التراث السني.
ومن جملة ما يمكن أن يكون من دواعي تحقيق هذه الفكرة التي هي من المقاسم المشتركة البشرية هو العقل: الذي يرى أن الإنسان لو استقام على الطريق صدقاً بعدل بقيمه الحقيقية في نفسه ثم بعد ذلك متمنياً من يعينه على ذلك العدل حيث أنه لو جلس الإنسان ليله ونهاره وراح ليعيش لياليه دعاء وبكاء يريد من ربه أن يحقق له عدلا وهو يعيش ظلما لنفسه، كيف يريد عدلا وكيف يريد أن يأتي الله له بعدل وهو لا يرفع قدما نحو العلم ونحو طهر نفسه، ليخرجها من العدوان والحسد والدناءة فهذه تمنيات الجاهلين، فالعقل يقول من أراد عدلا بدأ بنفسه ثم أراد من ربه الإستقامة أن يرشده إلى من يعينه على تحقيق العدل حيث تقيمه عزائم الرجال الصالحين الصادقين فهذا أيضا كان ولا يزال فكراً وعقلا لكل حكيم ولكل رجل خير ولكل صالح وهذا العقل أي أن بالعدل تحقيق الكرامة الإنسانية وأنه لابد أن يتحقق هذا العدل لو استقامت البشرية على الطريق لكان السبيل الذي سار عليه كل فيلسوف وعبد صالح ونبي وإنسان قدس هي قيم الإنسانية، فإذن أمنية العقل ليست خرافة كما يقول القائل بل هي واقع مسالك الصالحين والأنبياء وإرادات العرفاء والفلاسفة الحقيقيين ولم يرتبط هذا المسلك بدين ولا مذهب خاص بل كان ضميرا انسانيا فكل من عاش الكرامة الإنسانية من أجل العدل للإنسانية لا لنفسه لأجل الوصول إلى الكراسي ولا لأجل مقام و شهرة كان طالبا للعدل حيث أن العدل المراد الذي هو قيم إنسانية هو مجمع حقائق ومبتغى غايات دعت إليها الأنبياء كل الصالحين والعرفاء والفلاسفة وكل إنسان سوي هو ذلك العدل الذي يراه كل إنسان لا يتحقق إلا بعزائم الرجال الصالحين فكرة تكون بها حياة البشرية وهي فكرة العدل وعلى هذه عاشت الأنبياء والصالحون وعلى هذا قدم رجال الإنسانية حياتهم رخيصة على مذبح العدالة الإنسانية لكي تعيش البشرية كرامتها حيث كان هؤلاء العقلاء يعيشون حلم تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية و يريدون تجسيدها برجال حقيقيين للخلاص من الذل والهوان وذل العبودية لكن بواقع عدل لا بعدل مدعاة، قد وجدنا ونجد في كل يوم الذين يدعون الإنسانية والعدالة والدفاع حتى عن حقوق الحيوانات وجدناهم كيف عندما تسلطوا كانوا طواغيت وأسودا ضارية سواء تلبسوا لبسان دين او لباس عدالة و ديمقراطية.
ومن أجل حلم العدالة راح سقراط الحكيم اليوناني القديم الذي عاش اكثر من 400 سنة قبل الميلاد راح ليشرب السم مضحيا نفسه من أجل العدالة الإنسانية و ذلك حينما حكمت عليه المحكمة بالإفساد في الأرض و الكفر فإن وجدنا إنسانا كسقراط يقدم نفسه للإنسانية فكيف سنجد الأنبياء يقدمون كل ما لديهم لهذه الكرامة، وعاش افلاطون حلم المدينة الفاضلة أو الجمهورية الافلاطوينة وإن راح لينظر إليها البعض منظار الوهم و الخيال حيث تصور مدينة رجالها من القديسيين بما هم علماء و حكام و جند لكنها في الحقيقة ليست بحلم و وهم و خيال بل هي تلك الأحلام الإنسانية النابعة من الوجدان البشري التي جائت بها الأنبياء وارادها الله لعز البشرية ومن اجل هذه الفكرة راح افلاطون ليفكر في المدينة الفاضلة، فالعدل واقع أراده الله تعالى وكل عاقل وكل شريف وكل تقي لكنه قد يصبح خيالا حينما يتصادم مع جهل الجاهلين وحجب المحجوبين وقساوة ودجل الدجالين وطغيان الحاكمين.

ومن المعلوم أن أمرا واحدا و سببا ومعدا واحدا لا يكون علة لسقوط أمة أو لرقيها فما كانت البشرية لتعيش هوانها ذليلة حقيرة تضرب أعناقها بواسطة الجلادين لو لا أن ذلك الطاغوت ايد بالدجالين و الجند وكذلك بالجبناء والشياطين المتلبسين بلباس الدين فكل هذه الأسباب و الدواعي و غيرها تصنع طاغوتا و تدفع الى ظلم و هوان فلذا نقول حجب المحجوبين وشراهة الطواغيت المتسلطين ومكر الكهنة المتلبسين بلباس الدين على اختلاف الأديان كلها كانت سببا لذل البشرية وقد كان إفلاطون من فلاسفة اليونان الذين كانوا يعيشون قبل الميلاد باكثر من 400 عام وهو كان صاحب حلم المدينة الفاضلة كان تلميذا لسقراط فحزن عليه حزنا شديدا بعد اعدامة حيث حكمت عليه المحكمة بالكفر وأنه مفسد في الأرض وانه رجل يحرف الأذهان ويبعدها عما هي عليه من حضارة ودين وأنه قد ساق الناس إلى الكفر ومثل هذه القضايا بجميع أبعادها افتراءا و دجلا قد وجدناها قائمة وليومنا هذا، فكم من متلاعب بمظاهر ملائكية راح ليرتكب أبشع الجرائم باسم الحرية والديمقراطية وغيرها من الأديان، هذا هو ديدن الطواغيت وقد روى لنا التاريخ أن افلاطون من بعد ما ارتكبت هذه الجريمة في حق أستاذه سقراط راح ليتأثر من الحكام ويبتعد منهم و راح ليكون داعية للعدل والسلام سائحا من بلد إلى بلد لم يتوقف في مدينة بل كان يهاجر من مكان إلى مكان كما كانت الأنبياء تفعل ذلك ولم يقدسوا على حساب الدين بلدا ولا مكانا ولا مالا ولا عشيرة كذلك كان افلاطون ولعل هؤلاء الفلاسفة  كانوا من اتباع الأنبياء وكم دعي من قبل السلاطين ليكون عونا لهم في تحقيق الحكم لكنهم بعد حين وجدوا انفهسم لا يتمكنون ان يسايروا افلاطون لما كان عليه من اصرار على تحقيق العدل و لذا اكثر من دعاه من السلاطين اودعه بعد ذلك سجنا او جعله يعيش اقامة جبرية حتى وصل به الحال أن أحد تلامذته الذين كانوا من أسس الدعوة للعدالة فإنه لما وصل إلى الحكم دعا إفلاطون ليكون سندا له لكن الدنيا بغرورها بدلته ليكون طاغية وجبارا كذلك وإذ بذلك التلميذ ايضا وجعل افلاطون في السجن أو الإقامة الجبرية وسيتم الحديث إن شاء الله عن ذلك في المحاضرة القادمة والحمد لله رب العالمين.

2- احتمالات في المنقذ البشري في شرح قاعدة اللطف والشهود الإلهي

الإمام المهدي عج 2
إحتمالات في المنقذ البشري في شرح قاعدة اللطف والشهود الإلهي
كنا أيها الإخوة والأخوات في بحثٍ هام وهو بحث المنقذ البشري وقد قلنا إن فكرة المنقذ أو المهدي المنتظر قد ضربت جذورها في أعماق التأريخ البشري وإن راح البعض لينكر ذلك لكن إنكارا من زيد أو عمرو بدوافع مختلفة سواء رجعت إلى أمور طائفية أو إلى نزاعات بين القائلين بالأديان والمخالفين للأديان لا تؤثر على واقع القضية لأنها من الامور التي لا يمكن أن تضرب واقع قضية لها أصولها في الفكر البشري و لها واقعها على وجه الأرض وإن اختلفت الرؤى والتفاسير وأبعاد الفهم البشري لهذه الفكرة أو لهذه القضية حيث أنا مما نجزم به ولا نتردد أن كل قضية كانت مقسما مشتركا بين البشرية لابد وأن ترجع إلى أصول و جذور لها مناشؤها كانت قد دفعت الى ذلك المعتقد و أما القضايا الخاصة التي لم تكن مقسما مشتركا بشريا فقد يحددها المكان و الزمان  كبعض القضايا الخاصة الدينية او الإجتماعية لكن الأمور التي تأخذ أبعادا على صعيد انساني من الصعب أن ننسبها إلى وهم أو خيال أو نزعة قبلية ولذا نقول هناك من الأمور المتأصلة في أعماق الكيان البشري كمسألة الخلق الكريم حيث نجد أن أي إنسان على وجه الأرض يرتاح إذا وصف بأنه كريم وعدل وأنه ذو خلق حسن وما كانت لتتوحد البشرية في محاسن الأخلاق في مقابلها لولا أنها فطرة، و كذلك في الإنتماء الى العلم حيث أنه ليس هناك من أحد يرضى لنفسه أن يوصف بالجهل أو عدم العقل، فنقول إن هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ والمهدي المنتظر لا يمكن أن تحجم بإطار حيث يُدّعى أنها من نسيج خيال دفع إليه البؤس و الحرمان, فهي فكرة إنسانية وإن اختلفت الدوافع الداعية إليها، تحت اي لواء لكنها من الواقع البشري الذي لا يمكن أن ينكره أحد، وإن أمكن أن تكون من دواعي هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ البؤس والإضطهاد والفقر حيث أنا لا ننكر على أن هناك دواع مختلفة قد دعت إلى هذا الأمر منها لأن البشر يعيش حرمانا على طول التأريخ وإن طبيعة من عاش الحرمان يتطلع ولو بروح الوهم والخيال إلى منقذ و إلى من يهديه إلى سبيل السعادة و النجاح لكن كون هذا من جملة الدواعي التي دعت البشرية  لا يكون دليلا على أنه السبب الوحيد لهذه الفكرة فهذا الأمر الذي له جذور بعيدة تاريخية هل من الممكن ان يُلخص بأن علته الحرمان و البؤس؟
ولذا نقول على الإنسان أن يكون اكثر اتزانا حيث أن اكثر الأمور التي تكون سببا لأمر لا يمكن أن نعللها بعلة واحدة كرقي أمة فلا يمكن ان يعلل لمجرد وجود قائد حيث أن القائد بنفسه ما لم تتعدد الأسباب و العلل و المعدات و المقدمات لا يكون معجزة سحرية لعظم أمة فلابد أن تكون قيادة وحضارة سليمة ومعارف و دواع مختلفة اجتماعية سياسية اقتصادية تدفع إلى أمة رقي وكذلك لا يمكن بأي روح أن ننسب إنحطاط أمة لسبب واحد، كأن نقول كما قال القائل البعض جهلا أن سقوط الإمبراطوية العباسية كان لخيانة زيد أو عمرو بل هي أسباب متكثرة من عدم لياقة حاكم وخرافة وخيانة وظلم وهلم جرا تجعل يدها بيد لتكون سببا لإنحطاط أمة، ولسنا بصدد بيان ما هو سبب انحطاط الأمم او سقوط الدولة العباسية لكن وجدنا الكثير ممن راح بدوافع الأحقاد او الجهل ينسب رقي أمة إلى معد او سبب واحد أو انحطاطها كذلك.
ولا يعقل أن نجد أمرا اتفقت عليه كلمة البشرية أن يعلل بعلة واحدة، ونقول لتقريب الذهن الى فهم المراد رب إنسان راح بمثل هذه الدواعي ليقول على أن الذين جاؤوا ولبوا دعوة الأنبياء هم فقط وفقط اولئك الفقراء و البؤساء لأن بؤسهم و فقرهم دفعهم للخروج و الاضطهاد الى تلبية نداء الأنبياء و ليس هناك اي سبب آخر كان ليدعو البشرية لنداء رسالات السماء نعم من جملة الدواعي لقبول دعوة الأنبياء هو البؤس و الحرمان ، لكن هناك من جاء لدليل عقل وبرهان وهناك من جاء حينما وجد صانعا ورباً و أنه لابد و أن يبعث للبشر من يهديهم سواء السبيل لطفا بحال العباد لا لأنه كان يعيش فقرا و آخر قد يكون قد لبى دعوة الأنبياء لأنه وجد اضطهادا قومياً و تمييزا عنصريا فراح بروح الإنسانية الحرة غير المقيدة بمثل هذه القيود الضيقة ليلبي دعوة الأنبياء وهلم جرا وعليه فلا نتمكن أن نجمع خلاصة الدعوة للأنبياء و أسباب تلبيتها بالبؤس مع وجود ما يمكن من دواع مختلفة ان تكون هي بكلها و تمامها السبب لاشتراك البشرية على طول التأريخ و منها سلامة العقل و الفطرة فكل هذه هي التي تكون هي الدافع لسماع نداء الأنبياء حيث يقال بالنسبة الى دعوة الأنبياء هذا عالم جاء لمزيد علم وهذا طاهر جاء لمزيد طهر وذاك عاقل جاء لمزيد عقل وهذا بائس جاء للخلاص من البؤس و هكذا.
وإذا توصلنا إلى هذا كمقدمة بيان نقول علينا أولا ونحن نريد أن ندخل دخولا عقليا وفهما ودراية لتحليل ما هي الدواعي التي دعت أن تكون هذه الفكرة فكرة عالمية، نقول هناك أمور واحتمالات نشير إلى بعضها.
1- من جملة هذه الإحتمالات التأمل في اللطف الإلهي، لكن قد يقول قائل أي رابطة للطف الإلهي في مسألة المهدي؟ نقول كل إنسان من بعد ما يطوي مرحلة من المراحل كالإعتقاد بالصانع و أنه المربي للكائنات للأخذ بها الى الكمال يصل إلى أن هذا الصانع العظيم وهذا المربي للعالمين لابد وأن يبعث مرشدا أو مرشدين ليكونوا مبشرين ومنذرين حتى يعيش البشر اعتدالا فهذه المسألة أي أن الله لطفا منه بحال العباد لابد وأن يبعث رسلا وأنبياء ليكونوا سببا للإبتعاد من الضلال ولابد أن يحقق لهم ما يبعدهم عن الباطل و ما يقربهم منه تعالى وأن الله هو الرب اللطيف الكريم فإذا جزم الإنسان بلطف الله تعالى جاء ليتأمل في المرحلة الثانية إلى  أن هذا اللطف لابد و ان يكون بالعلم للخروج من الجهل و إذا كان على أيدي الأنبياء فلابد و أن تكون دعوة الأنبياء بما تحمل من قيم علما و عدلا بأيدي أناس من بعدهم يحفظون هذه القيم حفظا لا افراط و لا تفريط فيه ولا جهل يكدره بظلمات الأوهام و الشهوات و أنه لا يمكن ان يُسلم هذا اللطف العظيم بأيدي الحكام والطواغيت ليرسموه للناس بعد الأنبياء بواسطة أذنابهم من وعاظ السلاطين و إني لا أتصور أن إنسانا عاش عقلا و سلامة فطرة أن يجيز لنفسه أن خلفاء الرسل  و الأمناء على رسالات السماء بيانا و تطبيقا هم الحكام لكن مع كل الأسف أن هذا ما قالته الأمة الإسلامية حينما عاشت تقليدا للآخرين ولذا ذُلت بواسطة هذا الجهل من بعد ما كان عليها أن تاتي مريدة طالبة ساعية معرفة الرجال الذين يمكن ان يكونوا خلفاء الرسل لبيان رسالات السماء و تطبيقها كما كان الأمر كذلك بعد جميع الأنبياء حيث أن اولي العزم من الرسل ما كانوا إلّا أربعة قبل محمد (ص) و جميع من جاء من الأنبياء انما كان تابعا لهم شارحا و مطبقا لرسالاتهم و هذا ما انكرته الأمة الإسلامية بعد رحيل قائدها الأعظم محمد (ص) لأنها أرادت ان تعرف الحق بالرجال و لذا نقول هكذا فكر ونور كان من جملة الدواعي للإعتقاد بالمنقذ البشري حيث أن البشر من بعد ما أتم الله تعالى لطفه في حقهم بأن بعث إليهم أنبياء وجعل بعد الأنبياء موازين عدل وهم الأوصياء ما أراد أن يكون العدل جبرا بل أراد ان يكون العدل نبلا تحمله ضمائر البشر باعتدالها ولذا صارت فكرة المهدي مقسما بشريا مشتركا وصار نداء عاما إنسانيا فأولئك الرجال الذين جعلهم الله بعد كل دعوة نبي كريم إن انحرفت الأذهان أراد ميزانا يحفظ هذا الواقع فمن اصول واقع هذا الفكر وهذا التصور هو اللطف الإلهي فمن عرف اللطف الإلهي بعيدا عن جهل الجاهلين وإن سماهم بأمراء المؤمنين سيجد وبوضوح على أن فكرة المنقذ مرتبطة باللطف حتى لا نذهب إلى من قالوا أن تلك الفكرة خرافة صاغتها اوهام الشيعة او دوافعهم السياسية فالقول باحتياج إلى ميزان عدل مطبق لرسالات السماء ليس خرافة، بل الخرافة عقل متحجر يأمر البشرية أن يكون تحت سياط الحكام والطواغيت و لو ضربت ظهور الناس و سلبيت أموالهم فمثل هذا الفكر اولى بالخرافة و المتاهة.

2- قد ننظر إلى هذه الفكرة نظرة عرفانية شهودية حيث نجد المنقذ او المهدي المنتظر هو ظهور الأسماء الإلهية جمالا وجلالا، حيث نقول يحكم واقع طهر النفس وشهود الحق تعالى متجليا ظاهرا واضحا حيث يجد العارف بطهره وزكاته اسماء الحق و صفاته بكلها وبتمامها متجلية على وجه الأرض بإنسان كامل هو مظهر مشيئة الله لتحقيق قيم رسالات السماء عدلا و إحسانا بعد تمامية تجليات العلم و النور و هذا الشهود لا يكون إلا لذوي الطهر الذين يشاهدون الحق تعالى بكل الأسماء و الصفات وهي نفوس وجدت أن من المستحيل أن تطوى الأرض بدون أن تبرز صفات الله جمالا وجلالا على هذه الأرض بكل أبعادها و أنه من المستحيل ظهور الحق بكل اسمائه و صفاته على ايدي الظلمة والجبارين و اذنابهم من وعاظ السلاطين بل على أيدي رجال صالحين هم مظاهر اسم الله تعالى علما وعدلا فلا تظهرهذه الحقائق التي هي واقع رسالات السماء بالأماني والتصورات باستسلام العقول وذلها بيد الدجالين بل تظهر ليشهد البصير عدل الله متجليا بكل موازينه وقيمه عدلا على وجه الأرض حياة كرامة لا تكون إلا على أيدي رجال هم ميزان عدل الله تعالى، فمن تأمل وجد أن من جذور هذه الفكرة وهي فكرة المهدي والمنقذ والعدل الإلهي على وجه الأرض هي شهود العارفين الحق تعالى متجليا بإنسان كامل يجد بد تمامية رسالات السماء و ختمها على يد سيد الكائنات محمد (ص) أنه يجب وراء ذلك ان تتجسد هذه الرسالات في الخارج على يد انسان كامل هو مظهر نور الله تعالى ومثل هذا الشهود البعيد عن أعين المحجوبين ليس خرافة بل الخرافة استسلام الرقاب للطواغيت و الجهلة و الماكرين ولابد وأن يتجلى الله بكل أسماءه وصفاته في عالم البرزخ وعالم العقل وكذلك في عالم النور أيضا برجال يجسدون هذا الواقع ولذا قلنا كذلك لا تطوى الأرض قبل أن يتجلى الحق بكل أسماءه وصفاته عليها بعظيم خلق وهو الإنسان الكامل الذي هو لسان صدق للأنبياء بما جاؤوا به من توراءة و انجيل و زبور و قرآن وما جاء به نوح و إبراهيم و من قبلهما آدم عليهم السلام والحمد لله رب العالمين. 

1- مقدمة عن المنجي البشري

مقدمة عن المنجي البشري
نريد أيها الإخوة والأخوات أن نبدأ بحثاً من أهم البحوث على صعيد العقيدة والعمل وهو البحث عن المهدي او المهدي المنتظر أو المنقذ البشري حيث أنه فكرة أو بحث أو معتقد أو طموح أو أنه تطلع ورؤى قد ضرب في أعماق التاريخ أركاناً وأصولاً لا مجال لإنكارها وإن حاول الكثير من الناس بدوافع مختلفة ليقول قائلهم إن هذا البحث إنما هو خرافة و وهم سواء فسر على صعيد ديني أو فسر على صعيد تطلع للشعوب وسنتكلم عن هذه المحاولات التي تريد أن تعطي طابع الوهم والخرافة لمثل هذا الأمر وهو فكرة المهدي أو فكرة الخروج من البؤس والإضطهاد التي يمكن أن نقول أنها مقسم مشترك بين جميع الشعوب على اختلاف مشاربها دينية وغير دينية ومن المعلوم أن كل فكرة تأخذ مأخذها بجميع أبعادها على طول التاريخ البشري ولم تكن خاصة بأمة ولا بشعب ولا زمان ولامكان لابد أن نجد جذورها إما بعقل بشري أو في فطرة إنسانية أو في رؤى تحقيق خلق وقيم أو أن نجد جذورها في واقع السعادة والشقاء أو العدل والظلم فهذه حقائق أمر لايمكن لأحد أن يغمض الطرف عنها, فهكذا هو البشر عاش يتطلع إلى السعادة يتطلع إلي يوم حق تعيش فيه البشرية كرامتها، هكذا هو البشر عاش متطلعا إلى خير, نعم قد يخطأ في المصاديق وقد لا يتمكن أن يتوصل إلى تحقيق الحق والعدل لكن كل هذا يدل على أن هناك واقع أمر هو في أعماق الوجود والغايات التي خلق من أجلها الإنسان راحت لتدفعه ولو كان غير ملتفت لمواطن الحركة وسبلها ومن يمكن أن يكون من اركان تحقيق هذه السعادة أهم الأنبياء أو الأوصياء للرسل أو هم الصلحاء أصحاب الضمائر الحية أو من قالوا هلمّ الينا إيها الناس نريد أن نتحرك بكم لنخرجكم من اضطهادكم وحرمانكم بالديمقراطية أو الشيوعية فهذه حقائق لا يمكن أن ننكرها سواء خرجنا بقيم عقلية ومبادئ أو فرضناها بأناس معينين هم من دعاة الديانات أو هم رجال جاءوا أو سيأتون داعين الناس إلى الإبتعاد عن الظلم والإضطهاد, لكن هناك نفوس إدّعت اخراج البشرية من اضطهادها أو كانت تريد هذه الدعوة لمآربها لكن الجامع وهو أن هناك واقع أمر هو واقع العدل والكرامة البشرية وإن أخطأ الناس السبيل لكنهم يريدون في أعماقهم أن يعيشوا علما لا جهلاً فمثل هذا واقع لا يستطيع أن ينكره أحد.
ولعل قائلا يقول إن تطلع البشر للخلاص من البؤس والحرمان هو الذي دفعه و لو بواقع الوهم و الخيال  إلى أن يعيش هذا الوهم وهو وجود منقذ بشري او مهدي منتظر يصلح حال العباد حيث أن كل بائس وفقير كاد أن يحلم بيوم خلاص وهو من وراء هذا الخيال يريد أن ينفس عن كربه ومشاكله فيكون هذا هو الذي دفع لتصبح فكرة المهدي او المنقذ البشري وجها مشتركا بين كافة الشعوب لأنها عاشت على طول التأريخ بؤسا و اضطهادا إلا ما ندر منها.
أو نقول أن هناك أمرا لا يمكن أن نطويه في مثل هذا السجل بل الامر يتجاوز عالم الخيال وليس من العقل أن نقول كل ما كان من دوافع السعادة في مقابل الشر والشقاء يعود الى عالم الوهم و الخيال لأن البشر يعيش بؤسا أجل لا يمكن أن يكون مثل هذا التحديد لمسألة المنقذ و المهدي التي هي من المقاسم المشتركة بعد كون هذه الفكرة قد ترجع الى واقع خلق كريم أو فطرة أو عقل كما و انه يمكن ان تكون بواعثها قد حصلت من قبل الأنبياء أيضا لأنهم وعدوا البشرية بيوم سعادة و خلاص فكل هذه الإحتمالات و الدواعي لهذه الفكرة لا يمكن ان تُلخص بأنها ناشئة من الوهم و الخيال لبؤس بشري.
كما وأنه يمكن أن نكون أكثر انصافا بأن نقول إن الله تعالى الذي خلق البشرية وجعل الغاية من الخلق عدلا به كرامة و خروجا من الجهل لتعيش الإنسانية كرامتها بالعلم والعدل هذا الواقع الذي دعت إليه الأنبياء جميعا ودعى إليه كل صالح على وجه الأرض حتى ولو لم يكن مرتبطا بدين حيث أن الإنسان الصالح لا يقبل الجهل والشر بديلا عن العلم والخير فهذه هي قيم الإنسانية هي القيم التي أرادها الله محققة على وجه الأرض بواسطة أنبياءه وأوصياء الرسل ولا يمكن أن يطوى سجل الأرض بدون أن يحقق الله هذا العدل العالمي لتخرج الأديان من كونها فرضية إلى عالم العيان و الخارج بكل ما وعدت به الأنبياء و ما ورد من حديث عن علم او إحياء الموتى و غير ذلك و إلا لكان لقائل أن يقول ولو في يوم الحسب و المحشر يا الهي وسيدي كم من إنسان جاء على وجه الأرض و دعى الى العدل و دعى أن به الخروج من البؤس و الجهل الى عالم الخير عالم العلم و الإخاء و السلام عدلا و إحسانا لكن قد يكون هذا حلما و خيالا تتمناه النفوس و قد أحبت تحقيقه الأنبياء لكنه لوجاء واقع التطبيق لوجدناه يتصادم مع الخارج و التصادم مع الخارج كان سببا لعدم خروج هذه الفرضية الى العيان و الخارج و دليلا على كونه إفتراضا لا مجال لتطبيقه و بعبارة أخرى لعل قائلا يقول يوم القيامة يا الهي أنا لا اتردد فيما دعت إليه الأنبياء لكن أين الارض من الصدق والعدل فالارض ما كانت لتقبل عيشا بهذه الكيفية نعم على صعيد الوهم والخيال ربما يمكن أن نقبل هذا الواقع لكن يا الهي وأنت الأعرف بحقائق الأمور ما وجدنا نبيا حقق عدلاً ولا وجدنا حكيما ولا عارفا حقق عدلا كلهم جاؤوا فتصادموا مع صخرة صماء غير قابلة للنفوذ فيا الهي فليكن لنا العذر إن لم نكن أهلا لتحقيق مثل هذا الحلم و المُثُل لكن الله تعالى له الحجة البالغة و لا يجعل لأحدا حجة عليه فلابد وأن يحقق ذلك اليوم وهو يوم الخلاص البشري لتقام به الحجة وقيم شرائع السماء ضاربة أركانها على وجه الأرض فكيف يمكن أن لا يخرج الله تعالى الدين وهي تلك الشرائع التي جاءت بها الأنبياء وهي دين السلام حتى لا يقول قائل لو حكمنا لعدلنا او ان فريضة العدل انما كانت وهما وخيالا ولكي لا يقول قائل نحن كعباد لله صدقنا إحياء الموتى أو صدقنا كل ما جاءت به الرسل على لسان آدم و نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و محمد عليهم السلام لكن التصديق شيء والوجدان و التحقق الخارجي شيء آخر فالله تعالى لابد وأن يحقق تلك القيم حتى تكون حجة على الماضين والباقين على أن دين الإسلام ما كان افتراضا ولا وهما ولا خيالا نعم لا يمكن ان يتحقق الشيء إلا بتحقق أسبابه التي سيحققها الله إن شاء يوم الظهور و الخلاص البشري من الجور و الجهل.
كما و أن فكرة المنقذ او المهدي ليست كما يتوهم البعض فكرة المدينة الفاضلة لافلاطون حيث وجد نفسه على الرغم من كل مسعاه يتواجه مع الطغيان والجبروت حتى الذين واعدوه أو كانوا في البداية يريدون المساعدة له فإنهم لما تسلطوا كانوا جبابرة واكثر الناس هم هكذا فإنهم حينما يكونون فقراء بائسين يدعون الله مخلصين له الدين أن يحقق لهم عدلا لكن التاريخ قد أثبت أن الكثير من هؤلاء الفقراء و البؤساء و المضطهدين بمجرد أن يصبح صاحب سلطان ينسى كل شيء وينسى القيم و الإنسانية فيصبح مستأثرا يريد كل شيء لنفسه لا يعرف عدلاً بالأمس كان يتكلم عنه و قد وجدنا بأنفسنا من هؤلاء بعد السلطة كيف اصبحوا جبابرة طغاتا هكذا هم أكثر البشر فإذن لابد وأن يجعل الله تعالى أناسا صادقين بكل واقع الصدق باطنا وظاهرا يدعون إلى مسالك ربهم ليخرج الدين من الفرضية إلى الواقع الخارجي عدلا و علما.
وهناك تساؤل قد يرد في المقام وهو هل أن فكرة المهدي المنتظر مع فكرة المنقذ البشري هي فكرة واحدة؟ نقول ربما كان في مسألة المهدي المنتظر مزيد علم على المنقذ البشري فربما راح البوذي لينتظر منقذا أو الكثير من الناس ليتطلع إلى منقذ بشري لكن المنقذ البشري وإن كان معناه هو الإنقاذ لكن الخلاص الرباني على يد المهدي المنتظر هو خلاص بإقامة الحجة و خلاص بالعلم و العدل للخروج من الظلم والإضطهاد وهاهنا لابد من الإلتفات إلى ان الحرية قد  يفسرها كل واحد على بتبع منظاره و رؤآه وكذلك تفسر العدالة ولو أن يوما من  الأيام ظهر ذلك المنقذ لوجدنا الكثير من الناس سيعيش استغرابا وعدم فرحة لأنه كان في خياله يتصور العدالة حقا لنفسه و لو على حساب الإنسانية و الأديان ولعل الكثير من الناس لو جاء الحق لما كان مسرورا به لأنه رسمه لنفسه كرامة وعدلا و حكومة إلهية فوجد نفسه فيها الآمر والناهي و حينما يأتي الواقع سيجد لنفسه له من الخير ما لغيره و قد لا يرضى بذلك وعليه فلا يتصور أحد ونحن في بداية خطاب وكلام على أن المهدي المنتظر سترضى منه البشرية بكلها وتمامها وستكون مسرورة به نعم سوف يستر به من كان في واقعه عدلا يريد الخلاص للإنسانية  و أما الذين يريدون الخلاص لأنفسهم فهم متكبرون وسوف يتواجهون مع واقع قد لا يكون مدعاة لسرورهم والروايات تؤكد على أن الكثير من رجال الدين ومن الذين كانوا يظنون أنهم سباقون إلى ذلك الركب العظيم لأنه كان يظن نفسه عالما فاذا وجد نفسه معتبرا من الجهال فقد لا يرضى بهكذا تقييم و ميزان، لأنه كان يظن نفسه من القادة المقربين حيث أنه جاء بيان الواقع لشرع الله ببطونه وظهر على ان بتلك الأبعاد الكثير من الناس الذين كانوا يظنون انفسهم من العلماء اعتبرهم ذلك المنقذ و المهدي بتبع هذا الواقع و البطون من الجهال فإنهم لا يرضون لأنهم ذلك و لا يصبحون مسرورين بمثل هذا العدل الإلهي وكذلك هو حكم الكثير من المنافقين الذين لجهلهم كبرا ظنوا أنفسهم من يستحق ان يكون من المقربين فإنهم اذا وجدوا انفسهم لا مكانة لهم في العدل الإلهي فإنهم سوف لا يصبحون مسرورين بذلك العدل الإلهي و ذلك لأن الكثير من أمثال هؤلاء ربما عاش قيادا و قربا لأن الحكم طيلة التأريخ كان على المظاهر لا على البواطن إلا ما كان من تعيين لنبي او وصي نبي او لرجل أراد الله به تحقيق عدل او بيان علم في موطن خاص أجل ذلك العدل الإلهي لا يقام إلا برجال صدق هم في اعماق نفوسهم كذلك وليست هناك من ألقاب او عناوين تُعطى لشخص بحسب مقاييس و موازين الظاهر ولو كان قبل الظهور قد عاش قطارات من الألقاب دينية او غير دينية فكيف مثل هؤلاء جميعا يتمكن أن يجد نفسه قد سلبت منه تلك العناوين حثيل لا يقال له فلان ولافلان وهو يرضى ان يعيش لواقع العدل وقد سلبه العدل كل ما كان له من الألقاب و العناوين و المال و الكرامة الإجتماعية.
فهذه من المطالب التي أردنا التنبيه عليها قبل الدخول في البحث و من الأمور التي لابأس من التبيه عليها قبل الدخول في البحث هي أن الكثير منا ولو كنا من أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام لكننا ربما رحنا لنرسم بواقع الخيال لمن نعيش حبهم كعلي و بقية المعصومين عليهم السلام من أنهم بكذا جمال و أنوار بحيث لو وجد الواحد منا من اؤلئك العظماء احدا لاستغرب من أنه كيف لا يكون بتلك الكيفية التي رسمتها المخيلة وهكذا نحن قد نكون لو وجدنا عند الظهور مهدي آل محمد (عج) الذي رسمناه في المخيلة جمالا و نورا مخالفا لمثل هذه التصورات وهو بعد كل هذا الوهم صرامة و شدة في تنفيذ عدل و ميزانا لا يُفرق في عدله بين زيد وعمرو و ربما كان ذلك العدل سببا لسلب مال او جاه او مقام ولعل اليوم لو راح البعض ليعيش مع محمد او موسى او عيسى عليهم السلام سيجد نفسه غير ما كان يتصور لأنه بوهمه رسم رجالا لا مصداق له في الخارج حيث ان ما رسمه في مخيلته بأبعاد عالم الخيال ما كان لا مَلَكَا ولا بشرا بل كان خرافة ووهما عاشها صاحبها و ظن بهذه الخرافة و المخيلة أنه يعيش ارتباطا بأولياء الله تعالى فإذن نقول كذلك هي العدالة وكذلك هو الإسلام سيعيشه من عاش حباً لواقع يمكن أن يكون متجسدا في الخارج بأهله برجال يقومون به بيانا و تطبيقا و أما الذين ملأت أذهانهم دينا و رجالا لاربط له بالواقع الأمر فأؤلئك سيتفاجئون على أن الدين ليس هذا ولا هؤلاء رجاله فإذن نقول علينا أن نكون اكثر تأملا في دقائق الأمور حتى لا نرسم العدالة بمخيلتنا ولا أي شيء آخر كذلك لأن هذه المخيلة قد ابتعدت عن واقع أمر وعن واقع رجال ودين فرسمت لنفسها دينا ورجالا فلو وجدت اليوم وهي تعيش حباً وعلاقة بمثل عمار أنه رجل اسمر اللون ابن حبشية لما كانت ترضى لنفسها أن هذا هو عمار الذي رسمته في مخيلتها في حين ان عمار مكانته عند الله لأنهم يعيش قمم العلم و يجسد حقيقة العدل.

فرجال الدين والعدالة ليسوا كما صغناهم في أذهاننا تشع منهم أنوار الملكوت ظاهرة ونجد ملائكة ترفرف عليهم بأجنحتها فنحن نريد أن ندخل بحثا له أبعاده العلمية و الخارجية ويرتبط بواقع الكرامة الإنسانية بعيدا عن الوهم و الخيال و العدالة التي تكون على حساب الآخرين والحمد لله رب العالمين.

إذا كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله تعالى

محاضرات لسماحة الأستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني
الموضوع: إذا كان لكل شيء علة فما هي علة الله تعالى



3- إذا كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله تعالى؟

ما هي علة وجود الله المحاضرة 3

وصل بنا البحث في ما هي علة الله تعالى وقد شرحنا بعض المقدمات  لبيان هذا الإستدلال والان ندخل في كيفية الاستدلال حتى يكون الامر واضحا حيث أن ما جرى هاهنا ما كان الا مغالطة وليس بواقع برهان أو إشكال لأن المتكلم لبساطة او شبهة القيت في المقام تصور أن الكلام : إن لكل شيء علة وإذا كانت القاعدة العقلية تستدعي أن يكون لكل شيء علة  فتجري القاعدة على أن يقول القائل إذن ما هي علة الله لكن قلنا المسألة ليست هكذا بل القاعدة هي أن لكل ممكن علة وليس لكل شيء علة وهناك قد بينا أن الممكن حاجته إلى العلة بديهية لأنه لااقتضاء الذات لكن الوجود بما هو وجود المقابل للعدم الطارد له لا يقال هاهنا ما هي علة الوجود لأنه لا ثالث الا العدم أوالماهية أي الذات اللااقتضائية وكل من تأمل وتعقل المراد من العدم أو المعقول من الماهية اللااقتضائية علم أنها ليس لها الاصالة لطرد العدم كما وان العدم الذي هو صرف اللاشيئية لا يمكن أن يكون علة للوجود ولا يمكن أن يكون صرف العدم علة للوجود و بعد هذا نقول:
إن أصول المعقولات ثلاث: 1- مفهوم وجود يحكي عن حقيقة وهي العينية  2- ومفهوم عدم يحكي عدم العينية أي اللاشيئية ولو من حيث التصور الذهني  3- والمفاهيم الماهوية.
المفاهيم الماهوية سواء تصورنا إنسانا او ملكا او شجرا، كل مفهوم ماهوي بحسب ذاته هو لااقتضاء الذات ونضرب مثالا بالإنسانية فالإنسان لو كان الوجود عيناً أو جزءا له لوجب أن يكون قديما أزلياً ولو كان العدم هو واقعه أو دخيلا في هويته لامتنع تحققه فهذا هو واقع الممكن، حيث أن الممكن كل من طرفي النقيض يمكن أن يكون صفتة له و أعني من طرفي النقيض الوجود و العدم  فيمكن ان نقول الإنسان كزيد موجود لوجود علته التي حققته والمعقول كعمرو معدوم لعدم علته وما أمكن أن يوصف بكل من طرفي النقيض وهما الوجود والعدم لا يكون العدم عينا ولا جزءا له.
كل الممكنات أي كل ما يطلق عليه أنه ذا ماهية أي ذا قدر وحد وجودي فهذا القدر والحد الوجودي ما كان ليتحقق الا بالغير أي  لعلة وراء ذاته، وهنا امر لابد من التوجه إليه وهو أنه بحسب العقل أن هناك ما يكون من الترجيح بلا مرجح وهناك ترجح بلا مرجح و كل منهما قد اتفقت كلمات الحكماء والعقلاء على استحالتهما والمراد من الترجيح بلا مرجح أن يتحقق الشيء بلا علة غائية والمراد من كون الشيء بلا علة غائية اما ان يرجع إلى العبثية وهذا لا تتعلق به الإرادة لمرجوحيته فلو كان المحقق له علة عاقلة تامة لما حققته لأنه ترجيح لأحد الطرفين المتساويين بلا مجح وهو الأمر الممكن فلا تتعلق به المشيئة والإرادة وإن أريد منه التحقق الخارجي فالشيء كما وأنه لابد و أن يوجد بعلة فاعلية كذلك لابد له من علة غاية أي لابد أن يوجد ليسير هدياً معينا فلا يمكن أن يوجد لا لغاية تأخذ به نحو ما يناسبه من السير تكاملاً أو تغيرا وتبدلاً فاتفقت كلمات الحكماء و العقلاء على أنه من المستحيل أن يتحقق الشيء بلا علة غائية وهو الترجيح بلا مرجح وقد نسب إلى بعض المتكلمين القول بالترجيح بلا مرجح حينما قالوا إن الله يحقق الأشياء لا لمصلحة ولا لغاية ظنا منهم أن ذلك تعظيما لله ، ونسوا أنه تعالى لا يفعل فعلاً لغاية تعود إليه لا أن الشيء يتحقق لا لغاية فالشيء والممكن لابد وأن يتحقق لغاية  فخلطوا مابين أنه يفعل الفعل لا لغاية وراء ذاته وبين كون الفعل بما هو فعل لا غاية له هاهنا وقع خلطهم وهناك أمر آخر أيضا اتفقت عليه كلمات العقلاء طراً وإن ناقش بعض المتكلمين أو الأشاعرة في مسألة الترجيح بلا مرجح لكن بالنسبة إلى الترجح بلا مرجح ليس هناك من نقاش ابدا لاتفاق الجميع على إستحالته والمراد من الترجح بلا مرجح أن يتحقق الشيء بلا علة فاعلية أي بلا موجد و علة تامة أو يكون هو علة لنفسه حيث ان معناه اجتماع النقيضين بأن يكون موجوداً لا موجوداً أي بأن يكون موجوداً حتى يوجد نفسه وأن يكون لا موجوداً حتى يمكن أن نفترضه يوجد نفسه فإذن القول بالترجح بلا مرجح يرجع إما لاجتماع النقيضين وهو باطل ببداهة العقل أو يرجع إلى تحقق الشيء بلا علة وهذا محال أيضا و كل الممكنات طرا لو ادعى المدعي تحققها بلا علة فاعلية لكان ترجيحا بلا مرجح وهو مما اتفقت عليه كلمات العقلاء بطلانا و إذا كان هذا هو حكم واقع الإمكان طراً فإذا أخطأ بعض الأشاعرة فقالوا بجواز الترجيح بلا مرجح لعدم فهم للمراد لكن لم يقل عاقل أن شيئا يتحقق بلا علة والممكنات هي بحسب هويتها لا اقتضاء الذات.
 ولذا قال العرفاء والحكماء على أن حاجة الممكن إلى العلة بديهية يعني لا تحتاج إلى برهان فقط تحتاج إلى فهم معنى الممكن فمن فهم الممكن عرف أنه لا اقتضاء الذات فإذن من جملة البديهيات التي تحتاج فقط إلى معرفة معنى الإمكان ليحكم العاقل بنفسه أن الممكن لا اقتضاء الذات لا يترجح بنفسه بل يحتاج إلى علة  و إذا عرفنا أن العدم هو اللاشيئية وعرفنا أن الممكن لااقتضاء الذات وأن الترجح بلا مرجح مستحيل عقلاً ولا يمكن أن يقول به عاقل اتضحت لدينا الكثير من الحقائق.
 وأما قول بعض الملحدين من أن الكون تحقق صدفة فلا يريدون من ذلك أن الكون من باب الصدفة خرج من كتم العدم وإنما يريد قائلهم ان يقول إن النظم حاصل من المادة المتصادمة المتفاعلة أي ان النظم حصل صدفة لا أن عالم الإمكان تحقق صدفة بلا علة يدعون أن المادة قديمة و أما قول القائل أن الصدفة اخرجت الأشياء من كتم العدم فعليه يجب أن تكون الصدفة حقيقة وجودية لكل شيء لتكون سببا للمادة أو لأي أمر مفترض آخر لكن لا يمكن أن يتكلم ذو عقل على أن الكون نشأ صدفة أي نشأ لا عن علة، و إذا عرفنا اصول المفاهيم كمفهوم عدم يقابله وجود، وعرفنا ان الوجود هو التحقق والعينية وعرفنا ان هناك مفاهيم واقعها اللااقتضاء وعرفنا أن الممكن واجب بالغير نأتي إلى المفهوم الثالث في المقام وهو مفهوم الوجود بما حاك كمرآة عن واقع التحقق لأن العاقل لا يتكلم عن المفاهيم بما هي مفاهيم بل عن المفاهيم بما هي مرآة للمعنى والحقيقة فإذا كانت المفاهيم لها المرآتية للحقيقة نقول بعد ذلك هل الحقيقة تعود لصرف العدم او تعود لما هو واقع اللااقتضاء الذاتي المعبر عنه بالأمر الماهوي نقول لا يمكن أن تكون الحقيقة التي يبحث عنها العاقل بغض النظر عن أنها واجبة و أنها هي الله الذي هو صرف الوجود فإن هذه الحقيقة الطاردة للعدم التي هي واقع التحقق وليست لا اقتضاء الذات فهذه الحقيقة التي هي حقيقة التحقق والعينية التي حكاها مفهوم الوجود نأتي إليها ونقول إن هذه الحقيقة لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها كما و أن الإنسانية لا تعطى للإنسانية لأنه تحصيل حاصل ولا الإنسانية تسلب من الإنسانية لأنه من جمع النقيضين فإذا كانت كل المدركات هذا واقعها، فمن جملة المدركات هي الحقيقة الطاردة للعدم أزلا لا الطاردة له بواسطة الغير،  ولا ما إذا كانت لا اقتضاء الذات وهي الحقائق الماهوية فهذه الحقيقة وهي حقيقة الوجود لا يمكن أن نقول أنها اكتسبت التحقق من العدم لأن العدم لا يكون منشأ لأمر ولا يمكن أن يقول عاقل بعد فهم المراد من الماهية والإمكان وواقع لا اقتضاءها الذاتي أنها هي الطاردة للعدم و أنها هي النقيض للعدم فإذن هناك حقيقة هذه لها العينية ولا تعطى لها العينية ولا تسلب منها العينية ولو افترض مفترض على أن حقيقة الوجود لابد لها من علة لكان علة الوجود أيضا تحتاج إلى علة وتساق الأمور إلى اللانهايات في موطن الوهم يعني إذا كان كل شيء يحتاج إلى وجود أو يحتاج إلى علة ولم نقل أن كل ممكن هو الذي يحتاج إلى علة لكان نتيجة الأمر ما افترضناه وجوداً أو ما افترضناه علة للوجود هو بنفسه يدخل تحت القاعدة اي لابد له من محقق ومحققه لابد له من محقق ومحقق محققه لابد له من محقق و هكذا يجري الكلام في كل شيء إفترضناه علة فكما وأن كل شيء بالنور يمكن مشاهدته والنور بنفسه ظاهر مشهود فكذلك نقول كل شيء يخرج من كتم العدم بالوجود الصرف الأصيل الأزلي و إلا للزم التسلسل في كل الحقائق  فإذن كل شيء يكتسب حلة التحقق بغيره أي بالوجود،  فالإنسانية والشجرية والسماء تكتسب حلة التحقق  بالغير لأن حلة التحقق صفة لها وليست عين ذاتها و لذا نقول الإنسان قد يتصف بالوجود كزيد وقد توصف بالعدم قبل أن يوجد كعمرو وما يمكن أن يوصف بكل من الوصفين كالإنسان لا يكون واقعه التحقق، لكن لا يمكن أن نقول أن الوجود أو العينية أو التحقق المقابل للعدم اتصافه بالتحقق يحتاج إلى علة، الشيء بنفسه لا يعطى لنفسه ولا يسلب عن نفسه كما وأن كل معقول ولو كانت إنسانية لا تعطى لنفسها لأنه تحصيل حاصل ولا تسلب عن نفسها كذلك لأنه جمع بين النقيضين كذلك نقول حقيقة طرد العدم المقابلة للعدم بما هو عدم هذه الحقيقة سميناها وجوداً، سميناها شيئاً هذه لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها لأن إعطائها لنفسها تحصيل حاصل وسلبها عن نفسها جمع نقيضين وإذا قلنا أن كل شيء وكل وجود يحتاج إلى علة لكانت النتيجة أن علته أيضا تحتاج إلى علة وعلة علته ايضا تحتاج إلى علة فبالنتيجة يجب أن لا يتحقق شيء لأنا فرضنا أن كل شيء لا يتحقق إلا بغيره فهذه الغيريات تساق بالمآل إلى اللانهايات فإذن نعود ونقول إن حقيقة الوجود هي تلك الحقيقة الطاردة للعدم التي ليس الوجود صفة لها بل هو واقعها, الوجود متحقق بنفسه ولم يتحقق الوجود بوجود آخر ولا بغيره هذا الواقع هو تلك الحقيقة الأصيلة التي الوجوب لنفسها لا لغيرها ولو كان الوجوب لغيره لانساق الأمر إلى اللانهايات الوهمية، فإذن نقول تلك الحقيقة التي لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها وهي حقيقة الوجود المقابلة للعدم لأن الوجودات الماهوية ليست نقيض العدم ذاتا وإلا لو كانت نقيضة للعدم لكانت أزلية، فتلك الحقيقة المقابلة للعدم ذاتا لا يعطى لها التحقق ولا يسلب عنها و هذه الحقيقة لو كانت محدودة ماهوية لانساق الأمر إلى حاجة وعلة في جميع الأشياء ولكان لازمه أن لا يتحقق شيء لجريان النزاع فيها ايضا من أنها تحتاج الى علة  فالواقع العيني في مقابل العدم وجوبه بنفسه ولابد أن يكون هذا الوجود صرفا ومحضا وأن يكون أزلياً حتى لا نسوق الذهن إلى أن التحقق و العينية ناشئة من العدم لأن هذا الواقع سابق على العدم ويبقى العدم كمفهوم ذهنيا لا يتجاوز هذا الإطار وهذه الحقيقة الصرفة هي التي طردت العدم أبداً وأزلاً وهي التي كانت سبباً لاتصاف الممكنات بالتحقق و هذه الحقيقة الأزلية الطاردة للعدم هي بنفسها ما تكلم عنها الصديقون حينما قال قائلهم إن الإنسان العاقل ببداهة العقل يعرف أن الواقع الإمكاني لا اقتضاء الذات فهو بالبداهة محتاج إلى العلة لأنه في واقعه عدم لولا الغير لإحتياجه الى العلة بالبداهة لأنه لا إقتضاء الذات و هاهنا ما قيل من أن كل ممكن محتاج الى العلة و لم يقل عاقل بأن كل وجود و كل شيء محتاج الى العة.
فالصديقون ما شاهدوا إلا الوجود ومن شاهد الوجود بما هو وجود عرف أنه ليس خليطا من الوجود والغير وهي الحقائق الماهوية، فالصديقون شاهدوا هذه الحقيقة الصرفة التي هي لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها فأولئك تكلموا عن شهود فقال قائلهم يا من دل على ذاته بذاته، وهاهنا نحن نتكلم استدلالا ومفهوما ودركا على أن الحقيقة الطاردة للعدم هي واقع التحقق الصرف و هذه لا يمكن أن نفترض لها علة، و إلا لانساقت جميع الحقائق الى الحاجة الى العلة ومن ذلك يلزم ان لا يتحقق الشيء لأنه لا يمكن ان نفترضها نشأة من عدم او العدم كان لها علة و تلك الحقيقة الصرفة لم يقل قائل على أنها محتاجة الى علة لأن المحتاج الى العلة هو ما كان لا إقتضاء الذات و هي الحقائق الماهوية و هذه الحقيقة الصرفة هي المقابلة للسفسطة والوهم وبها خروج الحقائق اللاإقتضائية الماهوية من كتم العدم و لا يجوز لعاقل ان يقول أن هذه الحقيقة لابد لها من علة لانه علتها إما العدم و العدم لا يكون علة او اللاإقتضاء الماهوي و هو متساوي النسبة الى كل من الوجود العدم فلا يكون منشأة للعينية و التحقق بنفسه و ذاته فإذن ما قيل من الحاجة الى العلة حدوده هي الماهيات و الممكنات لا الوجود.
فإذن خلاصة القول في المقام إن ما نحن فيه من الشبهة إنما هي شبهة ولا استقرار لها كدليل وبرهان شبهة أطلقت فقال قائلها (إذا كان كل شيء له علة فما هي علة وجود الله) و نحن لا نقول إن الوجود له علة فالوجود لا يمكن أن تكون له علة لأنه لا يمكن أن نفرض علة للوجود وإلا لكانت إما العدم او اللا إقتضاء الماهوي و نحن نجزم ان كل ممكن هو بنفسه يحتاج الى علة فلا يكون علة لأصل الوجود فإذن الشبهة طرحها الطارح إما جهلا أو مكرا وخداعا اومغالطة على البسطاء فقال على أنه اذا كان الموحدون يدعون أن لكل شيء علة فما هو علة ربهم، فنقول لا الموحدون بما هم موحدون ولا الفلاسفة ولا العرفاء قالوا أن لكل شيء علة و إنما قالوا لكل ممكن علة ولو قال قائل ان كل وجود و كل شيء لابد له من علة للزم أن لا يتحقق شيء لأن ذلك الشيء المفترض أيضا لابد له من علة فإذن الشبهة عند التأمل ليست بشبهة مستقرة وإنما هي بدايات تصور يسوق البسطاء إلى التساؤلات كما وأن شبهة بن كمونة أيضا ليست بشبهة وهو حينما قال هل لا يمكن أن نفترض إلهين  حيث أنه إذا افترضنا إلهين افترضنا ممكنيين محدودين وإذا افترضنا ممكنيين محدودين إفترضنا لا اقتضائين واحتاج الامر إلى علة لكل منهما لأن المحدود بواقعه لا اقتضاء الذات فكما وأن شبهة بن كمونة عند التأمل لا تستقر على كرسي البرهان لتطرح بنحو برهاني لأنها افتراض الهين أي افتراض محدودين اي افتراض ممكنيين فهنا أيضا طرح المسألة بأن كل شيء يحتاج إلى علة إنما هو وهم و خيال لأن معناه لا شيئية تنشأ منها الحقائق سواءا افترضناها العدم او الماهيات اللاإقتضائية والحمد لله رب العالمين.


2- إذا كان لكل شيء علة فما هي علة الله تعالى؟

ما هي علة الله المحاضرة رقم 2
**********************************
بعد مقدمة تمهيدية في هذه الشبهة التي هي من الشبه في أصول التوحيد وإن كانت كما سيأتي لمن تأمل في المقام لا يجدها شبهة مستقرة لكن لابد من الإلتفات إلى أن في مثل هذا الموطن من الحديث وقعت دعاوى من الفريقين ما بين دعوى قائل بالبداهة الحكمية فالكثير من الحكماء بل كل الحكماء الإلهيون قالوا إن مسألة الوجود وأنه الحقيقة الطاردة للعدم بما هو وجود بلا قيد ولاشرط لأن الوجود المقيد لا يكون مقابلا للعدم فإذن بناء على أصل حكمي في المقام يقول الحكماء بالبداهة لوجود الصانع لأن الوجود في مقابل العدم أمر بديهي ولا يراد الوجود المحدد بحد لأن ذلك ليس وجودا باطلاق الكلمة وإنما الوجود عارض عليه كما نقول الإنسان موجود والبقر والسماء موجود، ما بين دعوى البداهة ودعوى الشهود العرفاني من قبل العرفاء بأن من نظر إلى الحقيقة وجدها وجودا وحقيقة واحدة طاردة للعدم ومن شهده شهد حقيقة واجبة متحققه بنحو أزلي لا متناهٍ هذا الشهود العرفاني أي الشهود للوجود يعطي المشاهد نظرة ترى الوجود واجبا أي قائما بذاته لا متناهيا أزلياً هكذا كانت النظرة من البعض وما بين قول الصديقين القائلين بك عرفتك والقائلين إلهي متى غبت حتى يكون غيرك دليلا عليك والقائلين يا من دل على ذاته بذاته وكل هذه الكلمات بك عرفتك أي بشهود الحقيقة أي بذات هي واقع الإصالة واللانهاية، والغياب يكون لمن كان حادثا وغير موجود ولمن تساوت نسبته إلى الوجود والعدم وهي الممكنات بلحاظ ماهياتها حيث تحجبها حجب و ظلمات و أنت يا الهي لست كذلك لتقع خلف الحجب شهودا و من وراء هذا الخضم من كلمات الحكماء و الفلاسفة  والعرفاء وقعت كلمات ما بين هؤلاء وما بين آخرين قابلوهم أن لا بداهة ولا شهود ولا حقيقة لأمر تدّعون الجزم فيه فقابل هؤلاء القائلين بالمعرفة والجزم و البداهة من أنكروا كل هذه الحقائق فقال قائلهم بأن القول بالصانع أو الوجود البسيط ليس إلا أسطورة و وهما بشريا صاغها الخيال, لماذا؟ لعلتين وسببين أصليين في المقام أحدهما جهل العلل، أي لما كان البشر القدامى يعيشون الجهل راحت أوهامهم لتصنع نسيجا من الخيال ظنوا أن هناك سببا فوق الأسباب هي التي قبضت الكون بكله فإذن جهل من جهة بالأسباب والعلل والخوف من واقع عاشه البشر زلازل وطوفان وأوهام وأنياب أغوال وشياطين وما شاكل هذه الأمور التي كلها أوهام راح ليدفع بالإنسان ليعطي نفسه طمأنينة بأزاء هذا الواقع المجهول وهي أنه لايدري بعد الموت أين يكون، هذه الدواعي دفعت بهذا الإنسان الضعيف لكي يتصور صانعا لهذا الكون فإذن مسألتنا مسألة في غاية الإختلاف في الأذهان البشرية.
هذا الصراع ربما راح ليدفع ببعض إلى أن المقام قابل للتأمل حتى من بعض الموحدين راح  ليتوهم لعل مثل هذه الكلمات لها من الأصول الطبيعية التي تدعو إلى هذا الكلام، لا ننسى أن كل الأمور التي تقع محل تصارع بين البشر لابد لها من مبادي، الأمور التي ليست عقلانية لا يقع فيها النزاع، وقع صراع بين البشر في الإمامة والقيادة مثلاً ،من جملة هذه المواطن التي هي محل صراع مسألة إن كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الصانع وما بين هؤلاء الجازمين بوجود الصانع والمقابلين لهم بالجزم بعدم وجود الصانع القائلين بأن الله في قفص الإتهام.
هناك آخرون مترددون لا يقفون عند موقف معين ان ازدادت عليه شبه الملحدين راحوا ليتخبطوا متذبذبين بين الطرفين وهناك قوم آخرون لاهم من أولئك ولا من هؤلاء غمضوا الطرف وحاولوا أن يعيشوا صمتا حتى لا يفكروا بمثل هذه الأمور ولعل الكثير من ابناء البشر يعيش هكذا جاء ليقضي أيام حياته بدل التفكير والخوف والتردد فإنه رأي الراحة افضل الطرق في هذه الحياة.
بدلا من البحث في هذه الأمور لكن للتنبيه عن غفله قد تسوق إلى خطأ لابد وأن نقول إن العبارة ليست بصحيحة وهي مقالة القائل من هو موجد الله لأنه يجب أن يبحث الإنسان عن موضوع وأن يُنقح الموضوع ثم يأتي دور الكلام عنه، فنحن إذا جئنا لنتكلم عن مسمى علي يجب أن نعرف عن أي علي نتكلم حتى نعرف محل البحث ما هو، فإذن من جملة الأصول في البحث أن تنقح أصوله، فليس بحثنا في أن الكون له مدبر، الكثير من الذين ينسبون إلى انكار الربوبية كمشركي قريش وكالفرس القدامى كانوا يعتقدون بالصانع، إن تأملنا في كلمات قريش نراهم يقولون ان الأصنام تقربهم إلى الله زلفى في حين أنهم ينكرون جنة وناراً والفرس القدامى كذلك كانوا يعتقدون بإلهين إله الخير والشر ولكنهم يقولون هناك الاهرومزدا وهو الصانع، حتى المصريين القدامى كانوا يرون أن ارواحهم تذهب إلى مكان آخر لتبقى، لذا نقول لابد للتنبيه للخروج من غفله قد تسوق إلى خطأ، بأن المحتاج إلى العلة هو الممكن وليس الوجود، هل كل ممكن يحتاج إلى علة، أو الوجود يحتاج إلى علة؟ يجب أن ينقح البحث، إذا لو كان لكل موجود موجدا و هو الله فمن هو موجد الله إذن؟ هكذا قال القوم , لكن المسألة ليست هكذا بل هي في محل الإمكان أي ان القاعدة العقلية أن لكل ممكن علة وليس المقال في أنه لابد لكل وجود من موجد فإذن هاهنا وقعت مغالطة أو خلط و جهل و إشتباه فعلينا ان نعرف أين هو محل الكلام, كل شيء لابد له من موجد؟ أو الممكن لابد له من موجود؟ القاعدة العقلية هي في الإمكان وليست في الوجود ولا في كل شيء بمعنى أن الممكن الذي هو لا اقتضاء الذات كالإنسان من حيث ماهيته وكالشجر والسماء والأرض وجميع المعقولات المتساوية النسبة  إلى كل من الوجود والعدم يجري فيها النزاع لأنه لو كان الوجود جزئا أو عينا لها لكانت واجبة أزلية ولو كان العدم جزءها لكانت معدومة، فإذا كانت لااقتضاء الذات، يجب أن نعرف أين مصب البحث، فمحل البحث أن المعلول يحتاج إلى علة في واقع عالم الإمكان ,وهنا لا نستثني لأنها قاعدة عقلية، يمكن أن نستثني كأن نقول الإنسان في خسر إلا من كان مؤمنا، لكن لا استثناء في القواعد العقلية، فالشبهة طرحت في الإمكان واستخدمت جهلا او مغالطة في الوجود، فإن قال القائل إن البحث أن الممكن لأنه لااقتضاء الذات يحتاج إلى علة فهذا كلام متين، نقول نعم بلا شك ولا ريب أن كل ممكن يحتاج إلى علة، لكن هل الوجود في مقابل العدم يحتاج إلى علة؟ نقول من المستحيل أن يقول قائل أن الوجود يحتاج إلى علة، والعدم نقيض الوجود، والحقيقة الامكانية لا تكون علة للوجود بما هو وجود؟ فإذن نقول كلا لا أظن أن عاقلا يقبل مثل هذا الكلام بأن يكون للوجود علة، فإذن يجب أن ينقح البحث حتى لا نغالط أنفسنا أو نقع في متاهات الجهل و عدم المعرفة لنعرفة أن المحتاج الى العلة هو الوجود او بعبارة أخرى أن كل شيء لابد له من علة أو ان محل البحث و النزاع في حاجة الممكن الذي هو لا إقتضاء الذات حيث أن كل ممكن لابد له من علة نعم لا يقبل أي عاقل أن شيئا من الأشياء بما هو ممكن من الممكنات ان  يتحقق بلا علة غائية لأن الترجيح بلا مرجح غير معقول لأن الشيء لا يكون علة نفسه ولا يترجح بنفسه، فإذن يمكن أن نطرح البحث ونقول الممكن حاجته إلى العلة بديهية والوجود يحتاج إلى علة قول لا يتكلم به عاقل و لا يقول كل شيء يحتاج إلى علة، فكلامنا فيما يمكن أن يكون شيئا يعني ما يدرك ويعتبر شيئا من الأشياء و هي المعقولات الممكنة، و إلا فلو كان كل شيء و كل وجود محتاجا الى علة لما تحقق شيء، فلو قال قائل كل شيء لابد له من علة والا لما تحقق، للزم التسلسل الى لانهايات الوهم ومن دخل في مثل هذه الأوهام سيجد نفسه داخلا في مغالطات و جهل، فإذن نقول كل الأشياء تحتاج إلى علة لابد وأن ترجع إلى علة العلل لأن العلة هي شيء وبحسب قاعدتك أي المورد لهذه الشبهة هي أيضا لابد لها من علة، فهي أيضا شيء وتحتاج إلى علة وهكذا إلى ما لانهاية له من التسلسل.
وهاهنا كمقدمة تنبيهية أردتها حتى ننقح محل الكلام، لأن البحوث يجب أن ينقح محل البحث و الموضوع فيها أولا لتنبيه عن غفلة قد تسوق إلى خطأ وعليه فنقول إن المحتاج إلى العلة هو الممكن أو الوجود أو الشيء وبعدها نقول: قد قلنا في الحلقة السابقة أن من غير المعقول أن يقال للشاك، في التعبديات نأمرك أوامرا تعبديا بأن تخرج من الشك لتصبح جازما بل لابد أن نعالج شكه باليقين لأن الأمر في مواطن التعبديات من الأمر المعقول لا في مثل ما يكون صفة للنفس كالوهم و الشك و الظن و اليقين ففي الأمور التعبدية  قد يعرف الشخص المصلحة منها وقد لا يعرف المعرفة منها فهو يصلي تعبداً وقد لا يدري لماذا صلاة الصبح ركعتين وصلاة الظهر اربع ركعات، ففي مثل هذه الموارد نقول إن الشريعة بنيت على المصالح والمفاسد ومهما وصلت إليه الشخص فإنه لا يحيط بواقع المصالح والمفاسد فلذا نقبل الكثير من الأمور تعبدا لجزمنا بأن الصانع تعالى لا يأمر بشيء إلا لمصلحة ولا ينهى عن شيء إلا لمفسدة لكن في التكوينيات لا يمكن ذلك فمن المستحيل أن يقول قائل إذا كان لكل معلول علة ولكل مسبب مسبب فمن هو مسبب الله وموجده فيأتي ليقول لك النبي (ص) اعتبر نفسك جازما وعليك أن تستعيذ بالله الذي انت شاك به، كيف اعيش فرحة و طمأنينة بكلام الرسول (ص) من  أنه قال لي استعذ بالله الذي أنت شاك فيه وهل مثل هذا يجعلني متيقننا في موطن أمر تكويني و هي الصفات النفسية وقد قلنا أنه من غير المعقول أن يقال للشاك أنا أريد منك أن اعتبرك متيقناً فإن بالاعتبار و الجعل التعبدي لا يصبح الشاك متيقنا، وقد قلنا أنه من غير المعقول أن يقال للشاك كن متيقنا لأن هذا واقع تكويني، فهو هنا إما أن يسكت خوفا أو تقليدا أو يساق إلى اخطاء أو تقليد، فإما أن تعالج هذه الأمور باسبابها الدقيقة، وكثيرا ما يقع التصارع بين المذاهب صراعا عقيما من أساسه، ولذا اكثر الصراعات الدينية وبل السياسية أيضا تكون عقيمة، أنا يجب علي أن أرى أساس اعتقاده أن كان مبنيا على أي شيء بمعنى أنه لأي شيء صار يعتقد بان زيدا من الصديقين فعلي ان أشكك الشخص في مبادئ أسبابه إن كانت حضارية موروثة فيجب علي أن أضرب أسباب معتقده و أسسها ثم اناقشه بعد ذلك وهاهنا مع كل الأسف ينسب هؤلاء القوم لسيد الكائنات محمد (ص) أنه قال : من شك في التوحيد عليه أن يستعيذ بالله ومثل هذه النسبة لا تنسب الى من هو دون محمد (ص) معرفة لمقاييس العلوم لأن اليقين تابع لأسبابه فيجب أن نشكك الشخص أولا مباديء يقينه وليس المقام من الاوامر و النواهي التعبدية كما في مثل الصلاة لنقول للشاك بين الأقل و الأكثر إبني على الأكثر أو إذا كان السند لرواية معتبرا خذ بالرواية تعبدا و إن كنت لست جازما بها فهاهنا لابد و أن نعالج القضية علاجا برهانيا.

وقد قلنا في مورد النهي عن التفكر في ذات الله، أنني إذا جئت لأبحث عن زيد يجب أن اعرف عن أي زيد أريد ان أتكلم حتى يكون بحثا صحيحا بعيدا عن المغالطات وهؤلاء القوم قال قائلهم بأن هناك الكثير من الروايات الواردة عن النهي في التفكر في ذات الله هي واردة فيما نحن فيه وهي أنه إذا كان لكل شيء علة فماهي علة الله حيث يجب علينا في المقام ان نقول قد نهانا الشارع عن التفكر في ذات الله وعليه يجب ان لا نبحث عن هذه القضية في حين أن النهي عن التفكر في ذات الله إنما هو نهي إرشادي لتنبيه الإنسان المؤمن على ان المحدود الممكن لا يتمكن ان يعرف اللا محدود فعلية ان يبتعد عن مثل هذه الأمور لأنها لا تزيده إلا جهلا وكيف يعرف المحدود كنه اللامحدود لكن ما نحن فيه من المسألة وهي أنه إذا كان لكل معلول علة فما هي علة الله مسألة عقلية وقعت فيها المغالطات لأن حق الكلمة ان يُقال أن لكل ممكن علة لأنه لا إقتضاء الذات فلا يخرج من لا إقتضائه و تساوي نسبته إلى كل من الوجود و العدم إلى مرتبة التحقق و الوجوب إلا بسبب و علة لكن لا يجوز لعاقل أن يقول كل وجود لابد له من علة لأنه يدخل في متاهات الاتناهي في العلل في حين الوجود لا يمكن عقلا أن يكتسب التحقق من العدم او اللاإقتضاء الماهوي فإ1ن مسألتنا المبحوث عنها من المسائل التي تدخل تحت الدليل و البرهان وما نُهينا عنه وهو عدم التفكر في ذات الله مسألة إرشادية للمؤمن من أن المحدود لا يمكنه ان يعرف كنه اللامحدود فهما مسألتان مختلفتان بكل معنى الكلمة  لأن البحث فيها ارشاد لامر عقلي أي أنك أيها الإنسان المؤمن يجب أن تعرف أن الداخل في المدارك العقلية و البحوث البرهانية إنما هي الأمور المحدودة وأنت تريد أن تتكلم عن صرف وجود لامتناهٍ فنحن نرشدك حتى لا تقع في الخطأ، فمحل بحثك تفكر في اللانهايات وهو لا يأتي في المدارك العقلية، فانت تريد أن تعطي اللانهاية حدا وكيفا، وقد جاء في الروايات ما مضمونه كل ما تصورتموه بأذهانكم بأدق معانيه فهو مخلوق لكم مردود عليكم، فالنهي هنا ارشادي وليس بمولوي ولا رب له بمحل بحثنا والحمد لله رب العالمين. 

1- إذا كان لكل شيء علة فما هي علة الله تعالى؟

إذا كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله تعالى
المحاضرة رقم 1

هناك سؤال يطرح نفسه كثيرا ما وإن كان يحاول الكثير من الناس أن يغمض الطرف عنه تخوفا من تأنيب ضمير أو هجمة مجتمع لكن الواقع بما هو واقع يطرح نفسه وهو أنه إذا كان الله تعالى خلق العالم فمن ذا الذي خلق الله تعالى؟ ربما كان الكبير الموحد لتقليد أو حضارة أو تخوف يكتم مثل هذا التساؤل لكن الكثير من الشباب ربما راحوا ليطرحوا مثل هذا التساؤل وحينما يطرح مثل هذا على الكبار ربما الكثير منهم يتألم ويتصور بأن ولده يمشي مع أي شخص؟ وآخر ربما يجد نفسه ضعيفا في مقابل هذه الأسئلة، فيجد نفسه محرجا كيف يجيب هذا الشاب على مثل هذه التساؤلات فإذن نقول سؤال ربما يتردد على أذهان كثير من الناس ولو كانوا موحدين مؤمنين، أنه إذا كان كل شيء وكل وجود لابد له من علة فما هي علة وجود الله تعالى وإن تحاشا الكثير من الكبار من طرح مثل هذا السؤال لكن ماذا نصنع ونحن في زمان يختلف عن السابق، فإن وجد الشاب جوابا اقتنع به والا اخفى ذلك الأمر، وقد يرد الكبار هذا الكلام و التساؤل بأنه قد ورد النهي عن التفكر في ذات الله تعالى، فعلينا من باب التعبد والقبول والطاعة أن نغض الطرف عن مثل هذه الأسئلة لكن العاقل اليوم يتردد في مثل هذه الأمور، هل الشريعة تريد غمض الطرف عما هو واقع يعرض على الذهن وهل من المعقول أن يردع الشارع عما هو عقلي؟ ما هي علة وجود الله تعالى؟ فكيف  يعقل أن يأتي الشارع وهو الآمر بالتدبر والتعقل و يمنع من مثل هذه التساؤلات العقلية؟
نقول كما سيأتي إن هناك خطأ شايعا في المقام، فالشارع أعظم شأنا من أن يردع عن مثل ذلك فهو لا يأتي ليقول لمؤمن لا تتفكر.
أجل النهي  ورد عن التفكر في ذات الله لا عما نحن بصدد بيانه، والنهي كما نعلم على نحوين: نهي مولوي ونهي ارشادي، فإذا جاء النهي من الشارع وقال لا تترك الصلاة نقول هنا النهي مولوي يعني من المحرم عليك شرب الخمر أو ترك الصلاة لأن هناك مفسدة في المقام لو شربت الخمر لوقعت فيها ونحن بعد معرفة الله والتصديق بأنه لا أمر ولا نهي إلا بتبع مصلحة ومفسدة لأن الله أعلم بكل شيءنقول يقينا ما نهى الشارع إلا لمفسدة، لكن إذا جاء من قبل الشارع مثلا (اطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فمثل هذا ارشاد وليس أمرا مولويا وإنما هو بيان لواقع على أن العاقل يجب عليه أن يعرف ربه والأنبياء والصالحين الداعين إلى الكمال ليسير سبل ربه نحو الكمال وكذلك هنا إذا ورد النهي في التفكر في ذات الله فإنه لا يحمل على التحريم بل المراد مخاطبة الإنسان المؤمن العارف لربه من باب الإرشاد الى واقع أمر بأن عليه أن يعلم بأن المحدود لا يحيط باللامحدود، ومعناه أنه لو تفكر في اللانهايات و الكنه الإلهي لكان يدخل في جهل وهو يريد الوصول به الوصول إلى علم فمهما كنت أيها الإنسان المؤمن من بعد ما عرفت ربك بأدلة مختلفة بشهود ومعرفة وبداهة وفطرة لا تذهب متبعا وساوس الشيطان لأنه جهل وخطأ فالله لا كيفية ولا كم له وليس في مكان ولا زمان فمثل هذه النواهي ترشد العاقل على أن الحق تعالى الذي هو لانهاية تحقق لا يمكن أن يأتي في المدارك العقلية لأنه لو جئت وأردت الوصول إليه من هذا الطريق لكان صورة ذهنية مخلوقة لك وكلما يكون مخلوقا لك هو ممكن، فكل تصور لله هي اوهامك وتصوراتك حيث تقول الروايات ما تصورتموه بأدق معانيه هو مخلوق لكم مردود عليكم لان صرف الوجود لا يكيف ولا يأتي في المدارك المحدوده فالنهي لردع الإنسان ليلتفت على أنه ليس قادرا أن يحيط باللامحدود، فالنهي عن التفكر في ذات الله ليس في مورد سؤالنا لأن سؤالنا أمر عقلي ،كأن قائلا يقول إن كنتم كما تزعمون على أن العقلي لا يخصص، فإذا قال القائل مثلا النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فهذه قاعدة عقلية سارية المفعول في كل شيء فلو قال قائل إلا الشيء الفلاني لكان كلاما غير صحيح فالأستثناء في الأحكام يمكن جريانها فيقال يجب الصيام إلا إذا كان الشخص مريضا لكن لا يمكن لعاقل أن يقول اجتماع النقيضين محال الا في النقيضين الكذائيين، لأنها مسئلة عقلية، و إذا كان لكل مخلوق خالق إذا كانت هذه قاعدة عقلية  فالإستثناء في القواعد العقلية غير ممكن، كلامنا في مسألة لا تفكروا في كنه الله تقول المحدود لا يحيط باللامحدود فلا تدخل أيها الإنسان في وهم و جهل بأن تريد أن تفهم اللامحدود فهاهنا النهي ارشادي بأن المحدود لا يمكن أن يحيط باللامحدود ولكن في موقرد سؤالنا وهو كل ممكن له علة يقول القائل كيف بعد هذه القاعدة المسلمة العامة تريدون أيها الموحدون الإستثناء فيها ولا استثناء في القواعد العقلية فها هنا تقولون كل شيء له علة إلا الله و هذا استثناء في القواعد العقلية و هو باطل، ولكن سيأتي ونقول عدم فهم محل الخطاب و القواعد العقلية جعل بعض الأمور تختلط مع بعضها الآخر، فالقاعدة هي كل ممكن لابد له من علة وليست كل موجود لابد له من علة، فالخلط في المفاهيم بين ما نحن فيه من القاعدة وهي بأن الممكن لابد له من علة هذا هو الذي ساق البعض إلى أخطاء، و هذه مقدمة أردناها للدخول في بحثنا لكن مقدمة أيضا نقول لابد من الإشارة الى أمور في المقام حتى ندخل في الموضوع دخولا علمياً.
فقد راح البعض ليستند إلى بعض الروايات المنسوبة إلى النبي (ص) من أنه اعتبر ذلك من وساوس الشيطان فقد ورد عن أبناء العامة والجماعة أن مثل هذا التساؤل فاسد أي إن كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله و قالوا ذلك من وساوس الشياطين أي أن التفكر فيمن أوجد الله تعالى أمر شيطاني وبمجرد أن يعرض الشيطان على الذهن علينا أن نستعيذ بالله من الشيطان، حيث روي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله (ص): لا يزال الناس يتساؤلون هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ثم يقولون فمن وجد من ذلك شيء أي طرء على ذهنه مثل هذا التساؤول يكفي أن يقول آمنت بالله.
أرجو التوجه: نحن في الأمور المولوية يمكن ان نقول مثل هذا الكلام كالأمر بكون صلاة الصبح ركعتين، و اما في مواطن الشبه العقلية فإنه لابد و أن تحل بعقل ولا يجيز لي أن أخيف شابا أو اتهم احدا بكفر والحاد، فإذا قال لي شاب إذا كان لكل شيء علة فما هي علة الله ؟ هل يقبل مني  الشاب في عصرنا هذا أن أقول له قل أمنت بالله ولا تفكر في مثل هذه الأمور فكي أريد منه بمثل هذه الكلمات أن يخرج من شكه الى اليقين ؟ ثم اقول له قد أخرج ذلك الشيخان أي صاحب البخاري ومسلم و أن ذلك حديث صحيح.
وكما قالوا في لفظ آخر فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله وينتهي فعليه ان يسد هذا الباب، نقول رسول الله (ص) ليس بهذا الضعف حتى يفر من مثل هذا التساؤل فكيف يجعل الكلام بمثل هذه البساطة أي أن النبي(ص) أمر أن ينتهي الإنسان عن هذه الوسوسة، بأن نقول الوساوس أوهام وخرافات في أنه هاهنا تساؤل عقلائي يحتاج إلى جواب، فهل كلمة استعذ بالله تفيد الإنسان الذي لا يؤمن بالله أو تفيد ملحدا أو مؤمنا ضعيف الإيمان و تخرجه من شكه الى اليقين, فلا يمكن أن نسوق المجتمع بمساق واحد ونقول قد وجدنا الحلول لهذا الموضوع و هذا التساؤل الذي قد يطرو على ذهن موحد وغير موحد بكلمة استعيذوا بالله.
أو نقول كما قالوا عن النبي (ص) آمنت بالله، هكذا مع الأسف أجاب الكثير من أبناء العامة لحل مثل هذه الشبهة وأراحوا أنفسهم واستدلوا بهذه الآية الشريفة: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، نقول هذه الآية لا تفيد الكافر والملحد بل ولا تفيد مؤمنا ربما عرض عليه مثل هذا التساؤل لأن الشك إنما يزول باليقين والعلم فكيف يمكن أن نقنع أنفسنا بما أجاب اكثر أبناء العامة بأن نقول علينا أن لا نفتح باب هذه الشبه لأن النبي نهى عن مثل ذلك ،في حين إننا نحتاج إلى واقع أمر يخرج الناس من الشك إلى اليقين، ونحتاج إلى برهان للملحد والمعترض.
وأجاب بعض العلماء الطبيعين الذين لا يعتقدون بالمبدأ واراحوا أنفسهم قائلين إن الطبيعة قد وجدت قديما بلا موجد فهي تحمل علة وجود نفسها،فهؤلاء الملحدون يشكلون علينا كموحدين على أنكم تفرون بالنتيجة والمئآل إلى المبدأ و هو الله على زعم منكم حيث تقولون أن علة العلل هو الله و أنه ليس هناك من شيء يكون علة للمبدأ ثم اعتبرتم  هذا الكلام منطقا سليما، فنحن نقول كملحدين نقول لكم ايضا إن الطبيعة هي التي أوجدت نفسها كما زعمتم أن المبدأ لا يحتاج الى علة بمعنى أن  السببية في كنه واقع الطبيعة متحقق كما تقولون أنتم ان ذلك في كون الله و أنه لا يحتاج الى علة فهذا التساؤل الذي يمكن أن يرد على المسلم يرد على الملحد أيضا وهويجيب بهذا النحو من الجواب قائلا، إن كان هكذا أنتم تجيبون عن علة الله فليكن الوجود الإلهي قديما وهو الطبيعة.
و بعبارة أخرى قد يقول الطبيعيون بانكم ان أقررتم ان كل شيء محتاج الى العلة لكن الله لا يحتاج الى علة لأنه المبدأ فنحن نقول كذلك كل الاشياء الجزئية تحتاج الى العلة و لكن الاصل و هي الطبيعة لا تحتاج الى علة لأنها المبدأ.
وقال أخرون منهم وجدت الأشياء صدفة و سنتكلم عن المراد من الصدفة، وقال ثالث تحققت الأشياء من ذلك الإنفجار الأول الذي حدث في الكون، فالكون كله وجد من صدفة تحققت لانفجار كبير أول في الكون، ونفس السؤال يأتي لو سلمنا لكم أن الصدفة تعطي قانونا لكن الوجود الذي نشأ بواسطته من خلقه قبل الإنفجار الكبير، ما هي علة وجود ذلك الشيء او ما هي علة تلك الحقيقة قبل ذلك الإنفجار الاول.
 لكن المؤمن يقول لا يمكن أن يوجد شيء من العدم فإذن ما هو الذي أوجد ذلك الشيء او تلك الحقيقة قبل الإنفجار الكبير الاول ثم يشكل الطبيعيون على انه إذا سأل السائل الموحدين قالو إن الله هو الموجد لذلك الشي و هو فوق منطق الوجوديين، لكن لعل تساؤلا هاهنا يرد ايضا على انكم قد تقولون أن الإنفجار الكبير ماذا كان قبله ومن هو الذي أوجده ، فأنتم اذا ضايقكم المنكر للصانع تقولون أن الله هو الذي اوجد كل شي فهو فوق منطق الوجود و نحن كملحدين يمكن ان نقول أن الإنفجار الكبير أيضا هو فوق منطق الوجود فيصبح الكلام بيننا كملحدين و بينكم كموحدين دعوى في مقابل دعوى حيث نقول ان أصل الحقيقة هي الطبيعة فهي الوجود الذي لا يحتاج الى علة و أنتم تقولون ان اصل الوجود هو الله و هو الذي لا يحتاج الى علة و ان كان كل وجود آخر لابد و أن يكون محكوما لقانون العلية و عند التأمل لا هذه المقالة ولا تلك تحل مشكلة لأنها تصبح إدعاءا في مقابل إدعاء ولا تفيد كلا من الفريقين لكن يمكن أن نتوصل إلى رابط بين الطرفين وهو أن الإنفجار الكبير الاول ما هو منشأه ولا يمكن أن ينشأ من العدم كما وأنه لا يمكن ان يكون الشيء علة لنفسه و بناءا على هذه المقالة يرى الطبيعيون على أنهم ما يرد عليهم بالنسبة الى الطبيعة و موجودها يرد على القائلين بالصانع و المبدأ أيضا.
وقال بعض المنكرين لوجود الله في كل مرة تناقش مؤمنا يسألك من أين أتيت؟ هل من الممكن أن تأتي صدفة؟ اكيدا لا، إذن هنالك خالق قد خلقك وبناء على هذا المنطق راح  ليتهم الكثير من الملحدين على أن استدلال الموحدين هو هكذا، ثم يقول الملحدون منتقدين الموحدين قائلين ولهذا ينفش المؤمن ريشه ويبدي علامات النصر ويخبر جميع أصدقائه أنه انتصر على الملحد، ثم ينسحب المؤمن دون أن يسأله السائل نفس الإشكال الذي يورده على الطبيعة من أنه من أين أتى الله أيضا ولماذا يكون مبدأ و لا تكون الطبيعة هي المبدأ للكون؟ ثم يدعي هؤلاء الملحدون على أن الموحدين إن تضايقوا لورود مثل هذه الشبهة ايضا عليهم يفرون ولا يجدون جوابا ثم يقول قائل الملحدين إن الحوار مع المؤمنين في وجود الله هو دوران في حلقة مفرغة لا جدوى فيها، كإنسان قد يحاول أن لايجيب على الأسئلة فهم ليسوا أهل نقاش ولا جدال .
وقال بعض الموحدين كثيرا ما أسأل نفسي محاولا إجابة نفسي إذا كان لكل سبب مسبب ولكل فعل فاعل إذن كيف وجد الله تعالى؟ فهل هناك من يجيب بما يشفي الغليل؟
هناك شبه قد تطرو على الإنسان حيث بقال أنه لا يمكن أن نقبل مقالة تنسب إلى رسول الله (ص) عن طريق أبي هريرة وهذا هو واقع النفس، من انه كيف يمكن أن نقول لمؤمن لا تشرب الخمر لكن لا يمكن أن نقول لشاب صير نفسك متيقنا، وهل يكفي الجواب بأن الأمور جميعا لابد لها من بداية والموجد ما كان فوق الزمان والمكان فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية؟! هذا الكلام سنأتي إليه ونوضحه إن شاء الله تعالى حتى يكون كلاما قابلا للتوجيه، ومن التساؤلات في المقام أيضا أنه  إذا كان لكل شيء علة فهل للقواعد العقلية من تخصيص في حين أنه يقال القواعد العقلية لا تخصص لكن نحن نقول في الجواب ان ما نحن فيه ليس من هذه القواعد العقلية و أنتم قد اخطأتم فهم المراد لأن القاعدة هي إنما تجري في كل ممكن حيث يقال لابد لكل ممكن من علة لأن الممكن بحسب ماهيته لا اقتضاء الذات متساوي النسبة إلى كل من الوجود والعدم ولا يخرج من العدم إلا بعلة، وهؤلاء خطأ جاؤوا ليعطوا القاعدة العقلية التي هي في الممكنات عمومية في الوجود كله وما هذا إلا عدم فهم للحقائق او هو من المغالطات حينما يجد المغالط أن الناس تعيش عدم الفهم للحقائق العلمية فيستفيد من جهل او غفلة أمرا.
وبالجملة القاعدة العقلية وهي أن كل ممكن محتاج الى علة قاعدة لا يمكن الاستثناء فيها كأي قاعدة عقلية أخرى لكن لا يجوز لعاقل ان قول ان كل وجود و موجود لابد له من علة وها هنا وقعت المغالطات حيث نقول في الجواب أولا إن القاعدة العقلية لا تخصص لكن القاعدة إنما هي في الممكنات وكل ممكن يحتاج إلى علة ولكن ليست القاعدة أن كل شيء وكل وجود يحتاج إلى علة فلما وقع الخلط بين هذه القاعدة وبين كون الوجود يحتاج الى علة وقعت الشبهات وسيأتي أن طرح مثل هذا السؤال من أصله خطأ في نفسه لان معناه أنه لا يتحقق أي شيء في العالم، و معناه أنه لا يوجد شيء إلا من العدم في حين أن العدم نقيض الوجود ولا يكون مصدرا له.
و ثانيا: النهي المولوي يكون في مورد يمكن مثلا أن نشرب الخمر فيأتي النهي، أما في مثل ما نحن فيه وهو عدم التفكر في كنه الله فإنما هو ارشاد لعدم المعرفة لأنك لو دخلت لمعرفة الله كُنها و ذاتا لكنت قد اعطيت المفهوم كما وكيفا و صرف الوجود وهو الله فوق الجواهر و الأعراض و الماهيات وكيف تكون الماهيات معرفة لأصل و حقيقة الوجود.
وثالثا: للدخول في البحث لابد من فهم مفردات ومن جملة هذه المقدمات والمفردات هو مفهوم الوجود والعدم، و مفهوم الوجود مفهوم بديهي ومفهوم العدم أيضا مفهوم بديهي وأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان، و أنه لا يجوز أن يكون الشيء معدوما وموجودا معا أو لا يكون موجودا ولا معدوماً، وهناك لابد من الإلتفات إلى أن هناك أمورا ممتنعة والممتنع على قسمين : الممتنع ذاتا كاجتماع النقيضين وهناك ما يمتنع بامتناع غيره وهي الممكنات التي لم تتحقق علتها، حيث نقول إن هذا تحقق سببه فأوجد والآخر ما تحقق سببه فهو معدوم وعدم تحقق الممكن لعدم مصلحة في إيجاده.

و المفهوم الثالث: و هو أن هناك معقولات كثيرة مثل شجر وبقر وزيد، هذه المدركات تعطي حدا وإطارا لواقع وجودي فنقول الإنسان موجود والشجر موجود والحجر موجود، مثل هذه المعقولات تسمى بحسب الإصطلاح بالماهيات أي بالوجودات ذات الإطار المعين، هذه المعقولات لأنها محدودة والوجود صفة لها لا يمكن أن ندعي على أن العنقاء موجودة، الإنسان موجود لأن علته تحققت فإذن هناك من الأمور أي من المعقولات الوجود يكون صفة لها اي هي بنفسها كالشجر والبقر معقول من المعقولات و يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن لا تكون موجودة و ذلك لانها تابعة لعللها و عدم عللها و نقول هذه ماهيات أي ممكنات فهي لا تقتضي الوجود بنفسها ولا العدم كذلك. وسنبين على أن ما ندعيه من وجود الحق وأنه لا يحتاج إلى علة ليس ادعاء بل يبتني على أسس عقلية وسنبين أن الرسول (ص)  حاشاه أن ينهى عن أمر عقلي وجده الوجدان البشري شكا او ظنا فراح ليقول أيها الظان او الشاك إعتبر نفسك متيقنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الخميس، 1 مايو 2014

تفسير سورة البقرة 35: ما المقصود من الإنفاق في الآية الشريفة؟

تفسير سورة البقرة المحاضرة 35
ما المقصود من الإنفاق في الآية الشريفة؟



تفسير سورة البقرة 34: شرح ومما رزقناهم ينفقون

تفسير سورة البقرة المحاضرة 34
شرح ومما رزقناهم ينفقون


تفسير سورة البقرة 33: ما المقصود من نزول السكينة على المؤمنين؟

تفسير سورة البقرة المحاضرة 33
ما المقصود من نزول السكينة على المؤمنين؟


تفسير سورة البقرة 32: ما هو الإرتباط بين يقيمون الصلاة وألا بذكر الله تطمئن القلوب؟

تفسير سورة البقرة المحاضرة 32
ما هو الإرتباط بين يقيمون الصلاة وألا بذكر الله تطمئن القلوب


تفسير سورة البقرة 31: كيف يتم تطبيق إقامة الصلاة للعبد المؤمن؟

تفسير سورة البقرة المحاضرة 31
كيف يتم تطبيق إقامة الصلاة للعبد المؤمن؟


تفسير سورة البقرة 30: ما المراد من الإقامة أو يقيمون الصلاة؟

تفسير سورة البقرة المحاضرة 30
ما المراد من الإقامة أو يقيمون الصلاة؟


تفسير سورة البقرة المحاضرة 29- شرح معنى ويقيمون الصلاة

تفسير سورة البقرة المحاضرة 29
شرح معنى ويقيمون الصلاة