الاثنين، 12 مايو 2014

6- نحن من نصنع الطواغيت

الإمام المهدي عج 6
نحن من نصنع الطواغيت
ونحن في بيان مطلب مرتبط ببحث عقائدي مرتبط بعمل وعدل وهو الكلام عن المنقذ البشري أو المهدي المنتظر على اختلاف الرؤى قد وصل بنا البحث إلى بيان أمر ونقطة ثانية تكلمنا عنها بقدر وهي أنه من اللازم أن نتوقف عندها ونتأمل فيها قبل الدخول في شرح هذه المطالب وهي أنه لقائل أن يقول إذا كانت كما تدعون وتزعمون على أن فكرة المنقذ أو المهدي المنتظر هي فكرة إنسانية وليست تابعة لحضارة أو لمقطع زمني أو لمكان ومذهب ودين إن كانت هي هكذا فكيف مع كل هذا الإدعاء لم نجد هذه الفكرة متجسدة متحققة على أرض الواقع يوماً من الأيام طيلة التاريخ البشري ومن المعلوم أن ما يكون مراداً إنسانيا عاماً لابد وأن تتجلى معالمه محققة بين فترة وأخرى حتى ولو طرأت عليه بعض الطوارئ ولو أن قائلا قال على أن ذلك قد وجدناه محققا في زمن سليمان (ع) لكان قولا يقبله الموحدون لكنه ليس مقالة تثبت عدلا على صعيد البشرية، وثانياً لو كان كما تدعون على أنه منهج الأنبياء لوجدناه متجسدا بأولي العزم من الرسل وما وجدناه متحققا على أيدي أولي العزم من الرسل وما وجدناه متحققا أيضا لو أغمضنا الطرف عن الأديان فإنه يجب أن يكون مراد البشرية متحققا على يد زيد أو عمرو أو أمة من الأمم وهاهي البشرية مع كل الأسف كانت وما زالت تعيش الصراع والحرمان والبؤس والظلم فلم لم يتحقق ما يدعى من أنه مبتغى البشرية علما وعدلا فهل لا يكفي هذا ليكون من أكبر الشواهد وهو عدم التحقق والوجود الخارجي لهكذا عدل، على أن ما يدعى ليس من المبتغى الإنساني وكيف لا يتحقق أمر يدعى أن من بواعثه الفطرة والعقل والأديان و أنه وجه مشترك بشري هكذا يمكن أن يطرح شخص شبهة في المقام.
فنقول: كم وكم من مقسم بشري لا يتردد فيه متردد لم نجد له تحققا على وجه الأرض فلو جاء ليغالط أو يتردد شخص بمقالة قائل في منقذ بشري أو في مهدي منتظر على اختلاف المسالك لكن لا أظن أن أحدا يتردد في أمر هو من المقاسم المشتركة البشرية على الإطلاق حيث لا نجد على وجه الأرض ولا فردا واحدا يتردد في كون الصدق حسنا في مقابل الكذب وهكذا فهناك مسلمات بشرية يميزها كل أحد بعقله وفطرته وبعد هذا التسليم أيضا في مقاسم مبشرية أخرى وهي الخلق الإنساني فإنا ما وجدنا البشر ملتزما به، فإنه لا يقبل أي إنسان أن يوصف بالكذب أو البخل لكن الكثير من البشر يعيشون بخلا وجبنا و هكذا هم يعيشون الكثير الكثير مما يخالف الفطرة و العقل، فالبشرية متفقة على الفطرة والخلق السليم لكنها تتلاعب لمصالحها الشخصية فلا يرضى أحد أن يوصف بأنه غادر وجبان وبخيل ومع كل هذه المسلمات البشرية التي لا يقبلها أي انسان كصفة بشرية له لكن اكثر الناس في الخارج يخالفها في واقع علمه ومن المقاسم البشرية فإنه لو جيء بأي إنسان وقيل له ماذا تختار العلم اوالجهل؟ فإنه لا يتردد في قول أن العلم هو المبتغى البشري و أن كل واحد لا يرضى لنفسه الجهل في حين أن أغلب البشرية تعيش جهلا، وهذا أيضا من المقاسم المشتركة فلو كان كل مقسم بشري مشترك لم يتحقق في الخارج يعتبر افتراءا لكان الصدق افتراء والعلم كذلك في حين أنه قد يتنازل الشخص أحيانا عن مرتبة العلم لكنه لا يتنازل عن العقل فلا نجد إنسانا يقبل لنفسه أنه ليس بعاقل و إن كان قد لا يرى نفسه في كثير من الموارد عالما لكن مما اتفقت عليه البشرية أنهم عقلاء فالعقل هو زينة كل أحد تميزه عن الحيوانات ولا يقبل أن يوصف بأنه غير عاقل في حين أنا لو جئنا إلى الواقع الخارجي لوجدنا من يسمى نفسه عاقلا عقله مقيدا بألف قيد و قيد فهو يعيش التقاليد وعدم العلم وعدم المشورة ويعيش تحجرا وجاهلية بحيث نجد الإنسان في الخارج مكبلا بألف قيد كلها تبعده عن واقع العقل ونجده يشرب الخمر ويرتكب الكثير من المتاهات لكن مع كل ذلك لا يرضى لنفسه أن يقال له أنه غير عاقل ويعيش عصبية لما وجد آباءه وحضارته عليها وإذا جاء اللجاج سحق كل القيم تحت قدميه وهلم جرا، فهذه شبة إذن لا قيمة لها وهي أن ما يكون فطرة ومقسما بشريا يجب ان يكون هو المتحقق على وجه الأرض طيلة القرون.
فإذن نقول الطامة الكبرى التي تضرب أسس العقل وتكدر الفطرة هي الكبر، الكبر الذي ساق إبليس إلى ما ساقه إليه ونجد البشر يدافع دفاعا مستميتا عن العروبة في مقابل الفارسية ولو كان فارسيا لوجدناه متعصبا فهو في الحقيقة متعصب لنفسه لدواعي الكبر فصارت العروبة شرفه وتعصب لنفسه فصار المذهب شرفا وعظما لأنه ينتمي إلى ذلك هكذا هو البشر بكبره تسحق جميع القيم, بكبره إبليس خطَّأ ربه علما وعدلا وهكذا بعض الناس يعيشون الكبر على حساب الإنسانية و الفطرة و العقل ولا ننسى الشهوات والرغبات وعشرات من الأمور الأخرى التي تخدش فطرة وعقلا، فهلا آن أن نخرج من شبهات لا قيمة لها قد يطرحها زيد اوعمرو فيظنها السامع لبساطة أنها شبهات مهمة لا مخلص منها.
و نحن قبل أن نذهب بعيدا لو نظرنا إلى تاريخ عشناه في ضمن عقود من الزمن لوجدنا كم من ثورة دينية أوغير دينية و تحت أي شعار وعنوان فمن تأمل في هذا المقطع الزمني القليل لوجد كم من أمة ثارت ضد ظلم واضطهاد وجهل جاء الماكرون فجعلوا كل ما للشعوب من حركة لمقاصدهم الشخصية هذا جعل الدين جسرا وهذا راح ليستغل جهل أمة في فهم سياسة ليجعلها جسرا للوصول إلى مآربه، فجاء الدجالون والماكرون الذين يدبرون للأمور بليل ليستغلوا غفلة وجهلا ليركبوا الموجة للوصول إلى مقاصدهم فإن كنا قد وجدنا ذلك في مقطع زمني لا يتجاوز الأربعين أو الثلاثين سنة فكيف لو نظرنا إلى التاريخ البشري فإن سوف نجد كم من طاغوت وماكر جعل مبتغى البشر وهي العدالة جسرا للوصول إلى غايته فقول القائل لو كانت مسألة العدالة فطرة بشرية لوجدنا معالمها متحققة على أرض الواقع فإنا نقول إن معالمها كثيرة على طول التأريخ لكن غفلة وجهلا وما شاكل هذه الأمور دفع بالأمم أن تكون جسرا لوصول أصحاب المآرب إلى غاياتهم فلزموا حكما ثم صاروا جبابرة طغاة.
وثالثاً: يجب الإقرار بواقع أمر وهو أن الحكام على طول التاريخ الجائرين الظالمين الماكرين لم ينزلوا يوما من الأيام من السماء ولم يطلعوا من أعماق البحور كما وأنهم لم يأتوا بجند قد صنعتها مصانع خارجية فإن ظلم البشر ظلم من الداخل ولو لم تجد العقول والماكرون أن هناك أرضية في الداخل للعدوان لما اعتدت فإذن الظالم والطاغوت من بعد ما يستغل جهل امة ما وجدناه جاء بجند له صنعته مصانع المريخ ولا أي مصنع آخر ولذا راح ليشير الرسول (ص) إلى هذه القاعدة وهي : (كيف ما تكونوا يولى عليكم).
ورابعا نقول: كم من طالب حق طلبه بكل صدق وواقع وما كان ماكرا ليجعل ما تريده الناس جسرا لمآربه لأنه كان فقيرا يأن من ظلم الظالمين اوكان عالما فراح ليؤيد شعبا لدفع جريمة وتحقق عدالة لكن وجدنا من كان بالأمس فقيرا حينما تسلط أصبح شقيا اكثر من الطواغيت المتقدمين وكم من عالم لعله دفعته دوافع الضمير لكن عندما تسلط نسي العدالة و الدين والرب والحساب والوعد والوعيد حيث أن السلطان و الزعامة لها ما لها من موجبات العمى ، حيث أن الإنسان اذا صار متمكنا وجد من حقه أن يكون آمرا ناهيا، وجد من حقه الإستيثار على حساب الإنسانية والدين فإذن ليس دائما من تسلط على رقاب البشر كان يدبر لهذا الأمر بليل، لكن مع كل الأسف أن الإنسان اذا تمكن من الرقاب نسي كل قيم الإنسانية و صار مجرما من المجرمين او طاغوتا من الطواغيت و هكذا هم اكثرية الناس.
فإنا قد عشنا مع أناس وجدناهم قدساً وخلقا وتواضعا وبكاء ودمعة فلما تسلطوا وإذ بنا وجدناهم فراعنة لأن الدنيا تجعل المتسلط إن لم يرتبط بالله حقا وبواقع الوجدان هكذا ناسيا لقيم الإنسانية و الضمير، فإذن الأمة تنتظر عدلا بواسطة منقذ بشري او مهدي منتظر بحيث لو تسلط لكان عدلا بعيدا عن الظلم.
وخامساً: كيف تريد الشعوب تحقيق عدل وهي لا تعرف العدل إلا من خلال ما يرسمه الرجال، فكيف تريد أمة تحقيق عدل وهي جاهلة فكيف يصاغ لها العدل و ذلك لا يكون إلا بصياغة الرجال ولا يصوغ الرجال عدلا إلا بتبع رغباتهم وشهواتهم، فاولئك الذين ظنناهم رسام عدل أو شرع نحن من بعد ما يتسلطون ننفخ فيهم فنجعل منهم جبابرة ومن بعد فترة نرى أنفسنا قد خدعنا لأننا بدّلنا طاغوتا بطاغوت آخر وإذ بنا من نفخناه بالأمر و صنعنا منه صنما قد نثور عليه و نسحبه في الشوارع في يوم آخر في حين أنا نرى أنفسنا نعيش عقلا و ليس لنا أي مدخلية في صنع الطواغيت و الجبابرة و الماكرين، و نفس العقلية التي تصنع الجبابرة و الطواغيت هي بنفسها ستصنع آخرين في مستقبل الزمن وما ذاك إلا لأنا نعيش جهلا و نعيش في واقع بواطننا مستبدين فالأب مستبد والأم مستبدة ولو خرجا من البيت لكان الولد الأكبر مستبدا فكيف نريد بعد ذلك كله أن نسقط طاغوتا ليأتى رجل العدل، نحن لا نعرف من هم رسام العدل بل ننظر إلى من صوتهم يعلوا على كل رجل حق وصدق فنراه بجهلنا عادلا و ذلك لأن أولئك الذين صوتهم يعلوا هم من بأيديهم المال والرجال والإعلام فنصنع منهم أصناما ثم نثور عليهم ولو بعد حين متهمين إياهم بكل جريمة لنصنع طاغوتا جديدا بعد ذلك وهكذا, هذه أردناها مقدمة للدخول في البحث وإن شاء الله سنتم الحديث فيها في المحاضرة القادمة والحمد لله رب العالمين.

5- لو طلب الناس العدل واقعاً لتحقق الظهور للإمام المهدي عج

الإمام المهدي عج 5
لو طلب الناس العدل واقعا لتحقق الظهور للإمام المهدي (عج)
ونحن أيها الإخوة والأخوات نسير مدققين ومتأملين في أمر تقدم وهو ماهي الدواعي لمسألة فكرة المنقذ او المهدي المنتظر أو المخلص البشري على اختلاف التعابيروالأديان والحضارات هذه الفكرة و قد قلنا أن هذه فكرة ليست فكرة يحددها مذهب أو دين كما وأنها ليست فكرة يحددها زمان أو مكان بل هي مما أجمعت عليها البشرية فكانت مقسماً مشتركا عاما بعد هذا الأمر نقول وليس من الغريب أن يكون العدل وجهاً مشتركا مطلوبا للبشرية كافة وكيف لا يكون ذلك وقد قامت السماوات والأرضين بالعدل تكويناً وهذا ما لا يمكن أن ينكره عاقل حيث أنه لو اختل النظم في أي مجرة أو اختل النظم في أي كوكب لوجدنا عدم الإستقامة فالعالم ككل قائم على العدل هذا من حيث التكوين ومن تأمل يجد أيضا أن العدل هو بغية الإنسانية و ليس هناك من إنسان يخير بين العيش في مجتمع عادل أو ظالم وهو يختار الظلم على العدل فالعدل فطرة وعقلا هو مبتغى الإنسانية ومما لا شك فيه أن العدل هو الذي دعت إليه جميع الأديان السماوية واعتبرت بالعدل يتمكن الإنسان أن يعيش كرامة وسعادة في الدنيا والآخرة، هذه أمور لا يمكن أن يتردد فيها أي إنسان والبشر على طول التأريخ وإن عاش ظلما واضطهادا وعاش اختلافا في الآراء والرؤى لكنه يعلم أن بواقع العدل هو السلام ويعلم أن بواقع العدل يتجاوز الإنسان العدل إلى مرتبة الإحسان ومنه إلى المحبة لكن في مجتمع ظالم يعيش بعضه العدوان على الآخرين لا يمكن أن تعيش فيما بينه المحبة والإحسان فبالعدل يصل كل ذي حق إلى حقه وتقام معالم العلم كذلك بالعدل فتفسر الآيات تفسيرا سليما وبالعدل تفسر الروايات تفسيرا سليما وفي مجتمع عادل لم يكن الظلم قائما فيه ولا المكر ولا النفاق تشاهد معالم الآيات شهودا سليماً، ولا يمكن أن يقول في هذا المجتمع بأنه قال رسول الله من لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية أنه أراد بذلك الحكام الظالمين فنقول جاءت الأنبياء جميعا بالقمم والقيم النبيلة التي تخرج البشرية من الظلمات إلى النور وما وجدنا على واقع الأرض ما يكون مخرجا لها من ذلك لأنها فسرت تلك الآيات النيرة تحت منابر وعاظ السلاطين فانحرفت كل الحقائق فتطلع الإنسانية إلى العدل الذي قلنا هو فطرة وعقل ودين وهو عظم بكل المقاييس فتطلع الإنسانية إلى العدل هو حق في مقابل باطل، تطلع الإنسانية للخير بأزاء الشر والنور بأزاء الظلمات، والمعروف في مقابل المنكر وهناك تحت راية عدل يتجلى المراد من المعروف وتظهر حقائق الفحشاء والمنكر و لا تختلط على أحد بالعدل حقائق الصدق قولا و عملا بالكذب و النفاق حيث أنه ربما يصعد إنسان ساعة المنبر يتكلم الصدق ويفسر الآيات وإذ به هو من مظاهر المكرة والشياطين يتعدى على كل القيم ولا يردعه أحد من مثل هذا النفاق لأنه يعيش في مجتمع متماثل معه إما جهلا أو لأن كل واحد من ذلك المجتمع يغمض الطرف عن الآخر لوجهة مشتركة فيما بينهم.
وبالعدل تقام كل الحقائق وبواقع العدل تكون الديمقراطية ديمقراطية وتكون الحرية حرية وبغير العدل يتلاعب المتلاعبون فيجعلون شرائع  السماء جسراً للوصول إلى غاياتهم ويجعلون اجمل كلمة كالحرية والمحبة وسيلة لمبتغاهم للوصول إلى الظلم فكم من كلمة حق اريد بها باطل.
فالعدل الحقيقي لا المدعى هو حلم الإنسانية الذي ينبع من واقع وجدان البشر تطلبه البشرية كافة على اختلاف مسالكها فكلهم من واقع وجدانهم وباطنهم كفطرة انسانية  يريدون عدلا لكن لا العدل المدعى بل العدل الذي تحمله روح الإنسانية وقيم البشرية وهذا هو ما دفع البشرية إلى التطلع إلى تحقيق هذه الآمال ومن المعلوم لمن تأمل أن مثل هذا العدل لا يحققه سياسي لا يفكر الا بزعامة ورئاسة ولا تحققه حقائق الصمت عن كل باطل وظلم وإن تلبست بلباس دين وهلم جرا, هذا العدل الحقيقي ليس حلم آمال وخيال بل هوسعي وبذل جهد علما وعملا للوصول إليه وعليه نقول إن فكرة المنقذ أو المهدي قد تبحث من نواحٍ شتى، فنحن في مطلع أمر نريد أن نتوجه إليه والآن جئنا لنتكلم بفكرة إنسانية وماهي البواعث للقول بها.
ومن بعد ما عرفنا اننا نريد أن نتكلم عن حلم الإنسانية على اختلافها نريد الآن أن نقول أيضا إن هذا البحث قد يبحث عنه بحثا عقائديا أي أنه ما المراد منه؟ وهل هناك شريعة او قانون يدعوا إلى ذلك وماهي مستندات هذه الأمور وقد نبحث عنه وراء ذلك بحثا عقائديا بمعنى ماهي الآليات لتحقيق هذا العدل حيث أن كل أمر من أجل تحقيقه يحتاج إلى وسائل حتى لا يكون حلما وشعرا، نحن نعلم أن الأنبياء جاءت طرا داعية إلى العدل وأن وراء الأنبياء جاء الوجدان البشري برجال كسقراط وأفلاطون والكثير من الآخرين حيث أن هناك قوافل من البشر فيها الكثير من الصالحين، هؤلاء جميعا سعوا سعيهم بكل صدق لكن ما تحقق مبتغاهم وعندها فقد يقول القائل إن كان العدل بقيمه ما تحقق على أيدي أولي العزم من الرسل وما تحقق على أيدي المفكرين الصالحين فكيف نأمل تحقيقه ولو فرضاً يوماً من الأيام تحقيقه فهل يأتي أعظم من اولي العزم من الرسل ليحقق ذلك العدل؟ نقول أن لكل شيء وسيلة وآليه لتحقيقه فالعدل يحتاج إلى حضارة تتحمله ويحتاج إلى معارف ويحتاج إلى نفوس طالبة للعدل، ولوجلست عمراً طويلا باكياً متضرعا قارئا للقرآن ولكل دعاء ليلا ونهار اريد من ربي أن يحقق عدلا فلا يمكن أن يحققه لكاذب لم يحقق العدل اولا و قبل كل شيء في نفسه وكيف يتحقق العدل لمن دعى ربه تحقيقه وهو لا يعيش عدلا مع الآخرين ولم يسع ليخرج من جهلة بالعلم لمعرفة العدل كما و أنه من مواطن العلم  أن يحمل الشخص راية الحق في مقابل الباطل سالكا مسالك العدل حتى يكون أهلا لذلك العدل المبتغى و صادقا مع نفسه و ربه وأن أكون مزكيا لنفسه طاهرا في باطنه و إلا فكيف يمكن بدعاء كاذب ولو بكى و لم يكن كاذبا ببكائه لكنه كان في واقعه كاذبا و إن لم يكذب قولا لأنه يريد أمرا وهو يعيش الظلم لنفسه و عدم زكاة النفس و عدم تحليها بالعلم فمثل هذا كيف يمكن ان يكون من مطلبق و من آليات تحقيق العدل حتى نكون واقعيين ولا نتصور أن بقراءة دعاء ندبة وقراءة قرآن نحن صرنا من واقع من يريد عدلاً، العدل ليس قولا ولا حلما ولا أمنية، بل هو واقع كون.
الله هو رب الكون ولا نتردد في مشيئة إلهية تريد عدلا لأنها تريد سعادة للبشرية ولا نتردد في صدق الأنبياء و أنهم كانوا باذلين جهدلا لتحقيق هذا العدل كما و أنا لا نتردد أيضا في أناس مروا في التاريخ كانوا صادقين لكن ليس هذا هو الشرط الوحيد لتحقيق هذا العدل، هناك علل وأسباب، نشير الى بعضها فنقول ما لم ينبع طلب واقع العدل من واقع الإنسانية لا بألفاظ يكذبها الواقع الخارجي لا يمكن ان نأمل عدلا، فإن استعدت النفوس إلى العلم ويأست من الدعاة الماكرين و إن تلبسوا بلباس الدين لا يمكن تأمل عدلا إلهيا و لا بشريا فكيف يمكن أن تأمل أمة عدلا وهي تسمي الفراعنة بأمراء المسلمين وتسمي الدجالين بعلماء دين فهناك شرائط وحقائق ومن جملتها يأس البشرية من كل داعية دعت الى العدل وهي ما كانت ساعية إلا لمبتغاها وهو الوصول الى غاياتها الدنيوية وستنكشف الوجوه إن كان الظهور قريبا عن الجميع عن رجال دين ورجال سياسة أو رجال علم باخلاف طبقاتها ستنكشف الوجوه و سيعرف الناس أنه هؤلاء ما كانوا صادقين وسينكشف للناس وجوه الماكرين و عندها سيلتجيء الناس إلى ربهم وإذا حصلت الدعوة بصدق من واقع الضمير الإنساني سيكون الظهور غدا بإذن الله تعالى.
حيث أن ما نعتقده أن عدل الله ليس صلاة تقام في الليالي فدين الله دين الحياة البشري و الأديان جاءت لتكون واقع حياة للبشرية وهذه البواعث النفسية البشرية لا تريد عدلا لزيد أو عمرو بل تريد عدلا للإنسانية جمعاء وعليه نقول هذا الواقع وهو العدل سواء نظرنا إليه نظرة رسالات سماوية أو نظرة وجدان وفطرة لا تحدده طقوس دينية وبالأخص إذا فسرت بتحجر وتزمت فلا تكون ديناً ولا تحدده بعض الأعمال العبادية لأن العبادة جزء من واقع شرع الله، نحن عممنا العبادة فجعلناها شرع الله مطلقا وغفلنا عن واقع شرع الله الذي هو شرع الحياة، كما وأن هذا الحلم أي حلم العدل الذي هو واقع المحبة والسلام ما جاء نبي إلا وكان داعية إلى المحبة والسلام وإذ بنا نجد أن المسلمين واليهود والنصارى يعيشون الأحقاد ونحن قد نسلب الناس حتى حياتهم بعصى التكفير او نسلبهم حرية الحياة تحت عنوان أنه يجب على البشرية أن تدخل في الإسلام وما كنا لنرتكب ذلك لولا مثل هذا الضيق في الرؤى التي ألبسناها لباس دين في حين أنا لو ذهبنا الى قصور الطواغيت و الفراعنة لوجدناهم و إن سلبوا الناس حريتهم و نهبوا أموالهم لكنهم ما كانوا قادرين ان يسلبوا الناس عقولهم و نحن مع كل الأسف تحت عباءة الدين قد نسلب الناس عقلا و علما ثم نتجاوز في خطانا لنسلبهم حتى حق الحياة و ذلك لان الطواغيت لم يسلبوا حق الحياة من احد إلا أن ينازعهم في سلطان لكن التحجر الديني والتكفير يتجاوز حتى الفراعنة عدواناً مفسرا للآيات والروايات بتبع الهوى فهي عقلية لم تسلب الناس اموالهم ولا أعراضها فقط بل تقسم الناس في الأسواق أرقاء عبيد أزلاء لا قيمة لهم و تسلب الناس أموالها تحت عنوان أن البشر لا يملكون مالا ما لم يدخلوا في الدين الذي نعتقد به كل ذلك تحت لواء و عنوان الجهاد في حين أن مثل هذا العدوان يتبرأ منه حتى الفراعنة و الطواغيت فكيف يكون ما يتبرأ منه أمثال هؤلاء دينا لنبي الرحمة محمد (ص) او لأي نبي آخر من الأنبياء الكرام فهؤلاء العظماء نبل  وعظم ودموع تقطر على اليتامى والفقراء والأرامل, هؤلاء واقع المحبة عدلا و إحسانا ولذا وصف الرسول بأنه الحبيب لكن نحن بعد كل ذلك و بعد ما ورد في القرآن من أنه لا إكراه في الدين فسرنا القرآن بتبع الهوى ومائة آية وآية أخرى تدل على عدم العدوان والأكراه في الدين فسرنا كل ذلك بتبع جهلنا و تحجرنا تفسيرا سلب الناس حتى أرواحهم و رحنا لنركض وراء أناس يبعثون بأولاد الناس الى محارق الموت و هم و أولادهم يعيشون النعيم و الترف على حساب الدين فالعدل الإلهي لا يفسره تحجر ولا عقل حاقد ولا جهل الجاهلين فذلك هو العدل الذي كان مبتغى الإنسانية الذي بعث الله به أنبياءه رحمة للعالمين لكن الطامة الكبرى حينما يصبح الجهل المركب دينا والحقد مفسرا لرسالات السماء التي هي الرحمة والسلام الذي جاء به موسى وعيسى ونوح ومحمد عليهم السلام وكل تقي أن يصل أمرها إلى مرحلة تسلب الناس حتى حق الحياة لشريعة كانت رحمة للعالمين.
النقطة الثانية التي وجدت من اللازم أن نقف عندها بتامل وإمعان قبل الدخول في تفاصيلها هي أنه قد يقول قائل إذا كانت فكرة المهدي كما تقولون هي فكرة إنسانية لم يقيدها الزمان والمكان إذن هي فطرة بشرية و من هذه القيم العدل في مقابل الظلم فإن ادعيتم وقلتم أنها فكرة إنسانية ضربت بأركانها في أعماق التأريخ لأنها فطرة فكيف يدعي الواحد منكم أنها فكرة إنسانية ولم نجدها يوما من الايات متحققة على وجه الأرض  فلماذا هذا المبتغى الإنساني الذي تدعونه لم يتحقق، فهي إذن مغالطات و إلا فلو كانت نابعة من الوجدان البشري لوجب أن نراها متجسدة على وجه الأرض ولو يوما من الأيام فقد أردت هذه كمقدمة و سنقول إن الكثير مما هي من مسلمات فطرة بشرية كالصدق الذي يعترف به كل الناس وهو مبتغى لكل شخص فإنه على الرغم من كل ذلك لم يكن يعيش البشر صدقا في واقعه الخارجي و كذلك العلم الذي هو مبتغى لكل الناس لم نجد الناس يعيشون المعارف فعدم الصدق واقعا وعدم العلم لا يكون دليلا على ان الصدق و العلم ليسا من واقع ما تطلبه النفوس لكن الحجب و الشهوات و الرغبات قد تمنع من تحقيق كثير مما هو من مسلمات الفطرة البشرية اعتبارا و مرادا وكذلك هو العدل الذي نحن بصدد التكلم عنه وقد قلنا أنه هو مبتغى الإنسانية مطلقا قد منعت منه منوانع عدة منها عدم الصدق في السعي لتحقيقه لجهل او لكون الشخص لم يعش واقع العدل في نفسه وسنوضح ذلك اكثر انشاء الله تعالى في محاضرات أخرى والحمد لله رب العالمين.

4- إزدهار الحق بيد القائم المنتظر

الإمام المهدي عج 4
ونحن أيها الإخوة والأخوات نعيش فكرة عالمية ألا وهي فكرة المنقذ او المهدي المنتظر وقد قلنا إن من جملة ما يمكن أن يكون من بواعث ودواعي هذه الفكرة العالمية هو العقل حيث أن العقل هو وجه مشترك أو هو من المقاسم المشتركة التي يمكن أن تكون السبب لحصول فكرة إنسانية عامة عالمية ونحن نعلم أن كل فكرة ضربت أصولها في أعماق التأريخ وراحت لكي لا يحددها الزمان والمكان ولا المذاهب والمسالك ولا الأديان لابد وأن ترجع إلى أصول إنسانية عامة وأي أصل إنساني أعم من تطلع الإنسانية إلى العدل ولا يمكن بقولة من زيد أو عمرو أن ننسف هذا الواقع الذي عاشت البشرية بواقع عقلها تتطلع إليه في كل أدوار تاريخها فلا يمكن أن يقبل عاقل لنفسه أن امة من الأمم عاشت غير متطلعة للعدل.
و اما الإختلاف في المراد من العدل بأي رؤى فإن هذا يرجع إلى تشخيص المصاديق والكلام إنما هو في كون العقل البشري راح ليتطلع إلى عدل يخرج به من ظلم أم لا؟ نقول إن من جملة التطلع إليه هو العقل البشري الذي راح ليتطلع بأنه كيف يمكن أن يحققه وعلى يد؟ من لأن العدل هو مبتغى الإنسانية على اختلاف طبقاتها ورؤاها دينية وغير ذلك ولا يمكن أيضا لعاقل أن يقول ان الظلم والجهل هو المبتغى، نعم الإنسان بشهواته ورغباته وطغيانه قد يكون ساعيا نحو الجهل والظلم لكن هذه دواع خارجية لها خصوصياتها ولا يمكن أن تكون جهة مشتركة بشرية.
فالأهواء والرغبات الشخصية كانت ولا تزال هي المانع من تحقق هذا الحلم الإنساني المشترك ألا وهو العدل ولذا ما قامت راية للعدل إلا واستأثر أناس على غيرهم بعد الإنتصار وقد وجدنا ذلك فيما عشناه من الحياة متجسدا في الخارج حينما انتصرت الكثير من الثورات و راح البعض مستغلين جهود الآخرين للوصول الى كراسي الإستبداد ومن تتبع التاريخ سيجد ذلك جليا أن الكثير من الدعاة إلى العدل حتى و لو كانوا من الفقراء والمضطهدين سيجدهم كما وجدناهم نحن بعد أن كانوا مضطهدين و كانوا دعاة بكل واقعهم إلى تحقيق العدل ومن وجدناهم كانوا صرخة ضد الظلم والعدوان كيف أصبحوا طواغيت من بعد ما تسلطوا، كل مثل هذا الإستغلال لحياة الشعوب المتمنية حياة العدل لا يخرجه عن كونه متبتغا عاما للبشرية بل انما يكون طغيانا على الفطرة الإنسانية.
أجل وجدنا بعض الفقراء والمضطهدين حينما مكنتهم الدنيا بدؤوا بنحر رقاب أصحابهم على الرغم من أنهم بالأمس كانوا سلاك طريق واحد برؤى إنسانية أو حزبية أو دينية ولعلهم في عقود طويلة من الزمن كانوا على مسيرة و طريق واحد يتألم بعضهم لمأساة بعض وإذ بهؤلاء الناس أصحب الواحد منهم بعد التمكن احد الجبابرة و الطواغيت ناسيا كل القيم حتى قيم الصداقة والمواثيق والعهود, هكذا هو الإنسان مع كل الأسف إن تمكن يستأثر وينسى كل الأمور بلا استثناء ولو نازعه ابنه أو أباه لقتله وجاء بألف مبرر لتصحيح جريمته مخالفا كل القيم لكن مع كل ذلك لا نرفع يدا عن مقال وهو على أن من جملة بواعث القول ومناشئ الإعتقاد بوجود منقذ بشري هو العقل حيث أنه لا يتردد على أن السعادة في العدل وأنه لا سعادة بدون عدل قائم على العلم وموازين الحق ليصل كل إنسان إلى حقه.
ومن جملة البواعث الداعية لفكرة المنقذ او المهدي المنتظر (عج) هي الأديان السماوية التي بشرت بذلك جميعا فمن تأمل في أي دين من الأديان سواء كانت اليهودية أو النصرانية أو الإسلام سيجد أن الجميع قد اتفقت كلمتهم على أنه لابد من عدل وحركة نحو الاعتدال لتخرج البشرية من ذلها وأنها جميعا قد بشرت بإنسان سيجعله الله متمكنا لإقامة هذا العدل لكن لعل قائلا يقول إذا كان أمر المنقذ يرجع إلى الرؤى الدينية فكأن المسألة ليست عالمية كما تدعون وأنتم قلتم إنها فكرة إنسانية لا تحددها المذاهب والأديان والآن تقولون هي ترجع إلى الأديان!
فإنا حينما نقول إن من جملة البواعث للإعتقاد بالمنقذ هي الأديان فإن هذا ليس دليلا على إختصاص الفكرة بالأديان وأنه ليس هناك من باعث آخر لأننا قلنا أن اللطف أيضا من جملة البواعث للقول بالمنقذ ولا مانع لأن تكون بواعث كثيرة تدعو للإعتقاد بأمر فإذن القول أن من جملة البواعث هي الأديان لا يكون دليلا أن الباعث هي الأديان فقط.
لكن وراء هذه المقالة نقول ايضا إن الدين لمن تأمله وجده الفطرة الإنسانية بتمام قيمها وكيف تحقق قيم الإنسانية بدون أن يكون العدل هو معلمها الواضح فإذن من ابرز قيم الأديان إن كانت دين حق غير محرفة هو العدل حتى قال تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) أجل كل ذلك لتحقيق العدل  ليقوم فإذن الأديان هي القيم الإنسانية ولا تكون الأديان حقا ما لم تقم على أسس العدل وقد اعتبر لهذا الواقع أهل البيت عليهم السلام العدل من أصول العقائد و إن ذهبت المذاهب السنية لتجعل العدل من الفروع وما التزمت به على صعيد الخارج حتى على هذا القدر من القول لأن من يسلم بأن أمير المؤمنين لا يجب أن يكون عالما ولا عادلا بل يجوز أن يكون جائرا و جاهلا و يسلب أموال الناس ويضرب ظهورها فلا يبقى لعنوان العدل دينا وعلى صعيد إنساني على مذهب أهل السنة و الجماعة اي معنا من المعاني في حين أن أهل البيت عليهم السلام قد اعتبروا العدل من اصول المعتقد لأهميته لأن به الإستقامة فإذا استقام العدل علما كان بيان حق في مقابل باطل وإذا استقام عملا كان تساويا واخاءا كان إحسانا وعيش كرامة تعيشه البشرية وقد بدأ الله تعالى الإنسانية بأول إنسان كامل ألا وهو آدم ع ولا شك أن من اصول دعوة الأنبياء بدأ بآدم ع هي الدعوة إلى العدل فإذن حتى ولو قلنا بأن العدل والتطلع إلى المنقذ هي فكرة دينية فالدين هو الفطرة والدين ما بدأ به الله تعالى الإنسانية لأنه بدأ الأرض بني فلو كانت فكرة المنقذ ضاربة أصولها في اعماق التاريخ ولو للمعتقد الديني فلا يكون قولا مستغربا حيث أنه لا يكون النبي نبيا ما لم يدعو إلى العدل علما وعملا.
فبعد كون الدين هو الفطرة والفطرة ميزان عدل وبعد كون الوجود البشري لا كما يظن البعض أن الدين صلاة و شأنا عباديا بل هو واقع الحياة و إذا كان كذلك فلا يكون الأمر بالمعروف صلاة فقط و النهي عن المنكر نهي عن الخمر لكن راح البعض ليجزء شرع الله مخرجا إياه عن كونه شرع الحياة و قد نسي قيم المعتقد التي هي الأساس قبل الفعل فجعل الدين هيكلا او جسما لا روح فيه لأنه لا يلبي حاجيات البشر التي أرادها الله تعالى على صعيد العلم و العمل  فمثل هذا الدين لا يكون مقسما للبشرية الدين الذي لم تحمل فيه راية الحق ضد الباطل مطلقا ولا راية العدل ضد الظلم جهارى لا يكون دينيا انسانياو إن عدل الله لا يقام إلا بمنقذ بعيد عن الرغبات والشهوات ومزالق القوميات وجهل الحضارات فإذن لا مانع من أن نقول إن من جملة البواعث لفكرة المهدي هي الأديان لكن لا تلك الأديان المبعضة والمجزءة وعلى هذا أيضا لا مانع من أن تكون هذه الفكرة والنظرية إنسانية عامة لأن بدء الإنسانية قد كان بنبي والأنبياء ثورة ضد الظلم و الجور لتحقيق العدالة و الحياة الكريمة و الفرار من كل جهل و عدوان و طغيان.
ومن جملة البواعث لفكرة المهدي أو المنقذ البشري هي وجود روايات لا نتردد فيها قد سمت أمة محمد (ص) بالأمة المرحومة و نحن تقدم أن تكلمنا عن اللطف الإلهي لكن مما هو دخيل في واقع هذا اللطف ومما هو من مزيد لطف في أمة محمد هو أن هذه الأمة قد بشرها الله تعالى لمزيد فضل وكرامة لها لو استقامت على الطريق لكانت في معرض هذا اللطف الإلهي لكن يجب أن تكون صادقة في إرادة العدل فالله تعالى بما هي رؤى لمذهب أهل البيت (ع) هكذا يبين لنا على أن الإنسانية لو استقامت اليوم لكان الظهور لذلك المنقذ و لما تأخر لطف الله وعدله لكنها تجلس ليالها وأياماها داعية ربها وهو تعالى يعرفها أنها كاذبة في ما تدعيه من واقع طلب لتحقيق عدل إلهي وكيف تكون صادقة في دعاء ندبتها وفي مساجدها وحسينياتها وهي لم يتحقق فيها 313 حملة هذه الراية لتحقيق عدل الله تعالى ولم يتحقق فيها 10000 جاهزين لهذه الدعوة كجند في ركابها بكل صدق معرفة و استقامة على الطريق، فبعد الرسول (ص) أراد تعالى من هذه الامة الإسلامية أن تطلب تحقيق عدل الله تعالى بواسطة اللإمام علي (ع) ثم أمهلها إلى نقيبا بعد نقيب  فوجدها كاذبة في دعواها على اختلاف مذاهبا حتى حدثت الغيبة الصغرى بواسطة آخر نقيب وهو الإمام المهدي محمد بن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام ثم كانت مرتبة أخرى من الإمهال ثم بدأت الغيبة الكبرى لأنها آخر مهلة لرجوع أمة طالبة عدل الله لا بألفاظ ولا بأقوال وكيف يطلب الشيعي العدل بجهله وتشتته وباختلافه وعدم صدقه في عدل يحققه أولا في نفسه خروجا من الجهل الى العلم و إستقامة على الطريق، فلو جئنا إلى فكرة المنقذ البشري لوجدناها تتميما للطف الله تعالى و لذلك سماها تعالى بالأمة المرحومة أي ان الرحمة تامة في حقها لو طلبت عدل الله تعالى حقا لا بألفاظ لا يصدقها واقع الأمر خارجا لكنها أبت إلا أن تكون تابعة للجهال وللحكام او مريدة عدل الله تعالى بواقع بُعد الخيال و الأماني لا بواقع العدل من أعماق الضمير.
ولو لم نقيد الموضوع بالشيعة نقول قد اتفقت الأمة الإسلامية الا ما ندر منها حيث راح بدوافع الطائفية لينكر فكرة المهدي فمع غض الطرف عن مثل هؤلاء الذين شذوا عن طريق المسلمين سنة و شيعة نقول إن الرسول (ص) باتفاق المسلمين قد بشر بمجيئ مهدي من آل محمد وصفه بأوصافه حتى قال بعض علماء أبناء العامة و الجماعة على أن منكر المهدي منكر لضرورة وأنه أي المهدي يملأ الأرض قسطا وعدلا من بعد ما ملئت ظلما وجورا وحاشا الله تعالى أن يؤخر رحمته ولطفه عن البشرية إن وجدها حقا تريد هذا العدل ولو فرضنا المنقذ والمهدي غير موجود كما تقول أبناء العامة فالروايات المبشرة تشير إلى أن الأمة لو أصبحت بواقعها تريد عدلاً لقلنا إن الله تعالى يحققه أيضا لها وإن اختلفنا مع القوم كما هو مسلك أهل البيت عليهم السلام من أن المنقذ البشري هو موجود و بمجرد ان تكون الصحوة صحوة صدق  لكان الظهور في نفس اليوم و نقول أيضا إن رحمة الله أوسع من رؤانا فلو كانت الأمة صادقة لوجدت ذلك المنقذ قد حققه الله لها في ذلك الوقت الذي يجدها طالبة لعدله تعالى, فالمانع من عدم تحقيق عدل الله هو من قبل المسلمين ولا نخصص مذهبا دون مذهب واكبر دليل على عدم صدق إرادة حقيقة للعدل الإلهي هو حينما اختبر تعالى البشرية حينما جاءت طالبة من رجل العدل و أعني به عليا عليه السلام  ثلاثة أيام بعد مقتل عثمان ثم كانوا غير صادقين حيث قامت عليه فرق الناكثين و القاسطين و المارقين بتبع أهواهم طلبا للدنيا.
ومن جملة البواعث أيضا وقد أشرنا إليه في المقدمة حينما قلنا أن من المستحيل عقلا وحكمة لأنه مرتبط باقامة الحجة على البشر من قبل الله تعالى حيث أن الله لا يدع شرع السلام قبل أن يطوي سجل الأرض إلا أن يجعله منتشرا على كافة أرجاء المعمورة ليخرج الدين من الفرضية الى واقع التطبيق حتى لا يقول قائل  يا إلهي و سيدي ومولاي يوم الحساب ما كان هناك من محل لتحقيق العدل و نحن قد سمعنا بمعجزات وكرامات قبلناها يا إلهي لأنها من صادقين و لكن ما وجدنا الكثير مما جاء على لسان الشرايع مطبقا على وجه الأرض وعدم تطبيقه يا إلهي على الرغم من صدق الأنبياء الكرام كاد ان يكون شبه دليل على عدم إمكانية تطبيق ذلك العدل المثالي على وجه الأرض وعليه فلا بد أن يخرج الله تعالى في آخر الزمان لتكون له الحجة البالغة على البشرية رسالات السماء من الفرضية علما وعملا إلى واقع وعيان حتى يصبح الدين واقعا خارجيا يحتج به على الناس يوم القيامة مثبتا على ان ما جائت به الرسل الكرام ما كان إلا واقع علم و فطرة بشرية لكن الناس للأهواء و الرغبات أبت إلا ان تعيش جورا و ظلما و عدوانا يأكل القوي منهم الضعيف و يستسلم الضعيف لهذا العدوان لجهل و ضعف نفس و تخلص من المسؤولية و بالجملة ليس السبب الرئيس فقط و فقط لعدم تحقيق عدل الله على طول التأريخ هو جور الحكام و تلاعب وعاظ السلاطين بل هناك اسباب عدة منها الجهل ومنها عدم بيان الحق من قبل الكثير من العلماء ومنها استسلام الأمم لظلم الظالمين ومنها أن الكثير من المستضعفين على طول التأريخ هم من الأدوات لتحقيق مآرب الطغاة و المجرمين و لست هاهنا بصدد حصر دواعي سلطة الظالمين و الحمدلله رب العالمين.

3- ما معنى ليظهره على الدين كله

الإمام المهدي عج 3
قال الله عزوجل : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). فنحن أيها الإخوة والأخوات بصدد التأمل في العلل والمناشئ التي دعت البشرية للإعتقاد بالمنقذ أو المهدي المنتظر, هذه الدواعي وهذه البواعث التي دعت إلى هذه الفكرة قلنا نريد أن نتأمل فيها هل أن جذورها فقط تعود إلى آية ورواية ومنهج دين ومسلك إسلامي أو شيعي أو هي على صعيد رسالات السماء طراً إسلاما و يهودية ونصرانية.
من تتبع يجد أن ذلك لا يرتبط بدين الإسلام فراحت النصرانية واليهودية لتبشر بمنقذ وهكذا راحت الإنسانية لتعلق جميع آمالها على يوم تخرج البشرية من ظلماتها إلى حياة الكرامة والعدل لكن يوجد هناك من الشذاذ من الذين ينكرون البديهيات ولا يمكن أن يجعل أي عاقل شذاذا لضرب قاعدة أو مقسم مشترك بشري فالله تعالى وهو الصادق الذي لا يتردد مؤمن في صدق ما ورد في كتابه المجيد الذي يقول هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، هل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليكون في مكة والمدينة أو يكون مقاما على صعيد أمة إسلامية فقط أو أنه أراد دينا يكون منتشرا قائما علما وعملا على صعيد الإنسانية؟ كل متأمل يجد أن الله وعد أن هذا الدين الذي هو دين الخاتمية لا يمكن أن تطوى الأرض إلا ان يكون ظاهرا على كل الأديان وعلى كل الأرض يعني ليظهر هذا الدين على كل الأديان ليكون هو دين الإسلام الذي بدأه بآدم(ع) وختمه بمحمد (ص) فهذا وعد الله الذي لا يمكن أن ينكره منكر أما قول القائل جهلا أن الدين جاء وتحقق في عهد رسول الله فهو يغالط نفسه و إن قال أنه تحقق على عهد الرسول (ص) نقول حتى لو كان متحققا فهو على صعيد أمة معينة وثانيا كيف يجوز لعاقل أن يدعي تحقيق دين على يد من كان يحققه اجتهادا وباختلاف الرؤى فهذه هي الأمة إن جئناها على صعيد الصحابة لوجدنا الدين مختلف فيه قد رآه علي عليه السلام بشكل ورآه بقية الصحابة كل بمنظاره وهاهي الأمة ليومنا هذا منقسمة على نفسها فهما و تطبيقا للرسالة،فلم يتحقق من شرع الله ما يمكن ان يقال فيه انه عين القطع و اليقين بل هي اجتهادات و آراء و من وراء أحكام ظاهرية و روايات معتبرة اعتبارا لا من باب الجزم و اليقين بصحة سندها.
ونحن أيها الإخوة والأخوات بصدد التأمل في العلل والمناشئ التي دعت البشرية للإعتقاد بالمنقذ حيث يكون برؤى رسالات السماء ذلك المنقذ لسان صدق لظهور الدين كله دين محمد (ص) و هو ذلك الدين الذي قد اختلفت الناس فيه من بعده حيث انشعبوا الى ثلاث وسبعين فرقة فاختلفوا فيه رواية وتفسيرا وعدلا، فلابد وأن يحقق ذلك الدين بوعد من الله تعالى تحقيقا علميا لا يحجبه جهل ولا ظلم ظالم ولا عدوان طاغية ولا تحريف ماكر ولا دجال وقد قلنا إن من جذور ودواعي هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ أو المهدي هو التأمل في لطف الله تعالى وقد تكلمنا عن اللطف الواسع بحال العباد وعلى الإنسان ان يتأمل في المراد من اللطف حتى لا يمر عليه مرور الكرام وحاشا الله ان يجعل لإنسان على وجه الأرض الحجة البالغة والله قد أتم لطفه بأنبياءه وأوصياء الرسل والعقل وبكل جوانب اللطف كرما وجودا و جعل وراء ذلك وهو تطبيق العدالة في الخارج مسؤولية على عواتق البشر الذين راحوا ليقبلوا حتى شربة الخمور أئمة للمسلمين أجل هكذا هي الغواية.
وقد قلنا أيضا إن من دواعي هذه الفكرة أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن بل من المستحيل أن يطوي سجل الأرض بدون ان يظهر بجميع أسماءه وصفاته ومن أعظم أسماءه وصفاته العدل فلا يمكن أن يترك الله تعالى الدنيا منتهية بدون أن يظهر بواقع عدله لا على أيدي المكرة الذين تلبسوا بلباس دين إسلامي أو يهودي أو نصراني فالدجال دجال و لو كبّر عمامة وأطال لحية والمظاهر لا تبدل حقائق الأمور فعدل الله واقع كرامة وعلم يخرج من الجهل، كرامة إنسانية بها يعيش البشر الرحمة والإخاء والمساواة، و الإدعاء للحق لا يبدل واقعاً فهو عدل الله لا عدل الماكرين.
وقد وجدنا ان هذه المعارف سواء على صعيد العدل أو اللطف الإلهي وجدناها بعظيم قممهما حينما تكون بمنظار الجاهلين تكون خرافة ولذا راح الكثير من أبناء العامة ليقول أنها فرية من الشيعة ونسي أنها كلمة قالها قاطبة المسلمين وقالها اليهودي والنصراني هكذا يكون العمى حينما تاتي النزاعات الطائفية لتسلب عقلا ولتسلب بصيرة وشهودا لروايات مسلّمة بين أبناء العامة والجماعة أنفسهم،و المنكر مع كل ذلك لمسألة المهدي المنتظر ينسب نفسه لمذهب التسنن فإذن نحن لا نريد أن ننزل إلى مستوى جهلة ومعاندين لم يقرأوا حتى التراث السني.
ومن جملة ما يمكن أن يكون من دواعي تحقيق هذه الفكرة التي هي من المقاسم المشتركة البشرية هو العقل: الذي يرى أن الإنسان لو استقام على الطريق صدقاً بعدل بقيمه الحقيقية في نفسه ثم بعد ذلك متمنياً من يعينه على ذلك العدل حيث أنه لو جلس الإنسان ليله ونهاره وراح ليعيش لياليه دعاء وبكاء يريد من ربه أن يحقق له عدلا وهو يعيش ظلما لنفسه، كيف يريد عدلا وكيف يريد أن يأتي الله له بعدل وهو لا يرفع قدما نحو العلم ونحو طهر نفسه، ليخرجها من العدوان والحسد والدناءة فهذه تمنيات الجاهلين، فالعقل يقول من أراد عدلا بدأ بنفسه ثم أراد من ربه الإستقامة أن يرشده إلى من يعينه على تحقيق العدل حيث تقيمه عزائم الرجال الصالحين الصادقين فهذا أيضا كان ولا يزال فكراً وعقلا لكل حكيم ولكل رجل خير ولكل صالح وهذا العقل أي أن بالعدل تحقيق الكرامة الإنسانية وأنه لابد أن يتحقق هذا العدل لو استقامت البشرية على الطريق لكان السبيل الذي سار عليه كل فيلسوف وعبد صالح ونبي وإنسان قدس هي قيم الإنسانية، فإذن أمنية العقل ليست خرافة كما يقول القائل بل هي واقع مسالك الصالحين والأنبياء وإرادات العرفاء والفلاسفة الحقيقيين ولم يرتبط هذا المسلك بدين ولا مذهب خاص بل كان ضميرا انسانيا فكل من عاش الكرامة الإنسانية من أجل العدل للإنسانية لا لنفسه لأجل الوصول إلى الكراسي ولا لأجل مقام و شهرة كان طالبا للعدل حيث أن العدل المراد الذي هو قيم إنسانية هو مجمع حقائق ومبتغى غايات دعت إليها الأنبياء كل الصالحين والعرفاء والفلاسفة وكل إنسان سوي هو ذلك العدل الذي يراه كل إنسان لا يتحقق إلا بعزائم الرجال الصالحين فكرة تكون بها حياة البشرية وهي فكرة العدل وعلى هذه عاشت الأنبياء والصالحون وعلى هذا قدم رجال الإنسانية حياتهم رخيصة على مذبح العدالة الإنسانية لكي تعيش البشرية كرامتها حيث كان هؤلاء العقلاء يعيشون حلم تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية و يريدون تجسيدها برجال حقيقيين للخلاص من الذل والهوان وذل العبودية لكن بواقع عدل لا بعدل مدعاة، قد وجدنا ونجد في كل يوم الذين يدعون الإنسانية والعدالة والدفاع حتى عن حقوق الحيوانات وجدناهم كيف عندما تسلطوا كانوا طواغيت وأسودا ضارية سواء تلبسوا لبسان دين او لباس عدالة و ديمقراطية.
ومن أجل حلم العدالة راح سقراط الحكيم اليوناني القديم الذي عاش اكثر من 400 سنة قبل الميلاد راح ليشرب السم مضحيا نفسه من أجل العدالة الإنسانية و ذلك حينما حكمت عليه المحكمة بالإفساد في الأرض و الكفر فإن وجدنا إنسانا كسقراط يقدم نفسه للإنسانية فكيف سنجد الأنبياء يقدمون كل ما لديهم لهذه الكرامة، وعاش افلاطون حلم المدينة الفاضلة أو الجمهورية الافلاطوينة وإن راح لينظر إليها البعض منظار الوهم و الخيال حيث تصور مدينة رجالها من القديسيين بما هم علماء و حكام و جند لكنها في الحقيقة ليست بحلم و وهم و خيال بل هي تلك الأحلام الإنسانية النابعة من الوجدان البشري التي جائت بها الأنبياء وارادها الله لعز البشرية ومن اجل هذه الفكرة راح افلاطون ليفكر في المدينة الفاضلة، فالعدل واقع أراده الله تعالى وكل عاقل وكل شريف وكل تقي لكنه قد يصبح خيالا حينما يتصادم مع جهل الجاهلين وحجب المحجوبين وقساوة ودجل الدجالين وطغيان الحاكمين.

ومن المعلوم أن أمرا واحدا و سببا ومعدا واحدا لا يكون علة لسقوط أمة أو لرقيها فما كانت البشرية لتعيش هوانها ذليلة حقيرة تضرب أعناقها بواسطة الجلادين لو لا أن ذلك الطاغوت ايد بالدجالين و الجند وكذلك بالجبناء والشياطين المتلبسين بلباس الدين فكل هذه الأسباب و الدواعي و غيرها تصنع طاغوتا و تدفع الى ظلم و هوان فلذا نقول حجب المحجوبين وشراهة الطواغيت المتسلطين ومكر الكهنة المتلبسين بلباس الدين على اختلاف الأديان كلها كانت سببا لذل البشرية وقد كان إفلاطون من فلاسفة اليونان الذين كانوا يعيشون قبل الميلاد باكثر من 400 عام وهو كان صاحب حلم المدينة الفاضلة كان تلميذا لسقراط فحزن عليه حزنا شديدا بعد اعدامة حيث حكمت عليه المحكمة بالكفر وأنه مفسد في الأرض وانه رجل يحرف الأذهان ويبعدها عما هي عليه من حضارة ودين وأنه قد ساق الناس إلى الكفر ومثل هذه القضايا بجميع أبعادها افتراءا و دجلا قد وجدناها قائمة وليومنا هذا، فكم من متلاعب بمظاهر ملائكية راح ليرتكب أبشع الجرائم باسم الحرية والديمقراطية وغيرها من الأديان، هذا هو ديدن الطواغيت وقد روى لنا التاريخ أن افلاطون من بعد ما ارتكبت هذه الجريمة في حق أستاذه سقراط راح ليتأثر من الحكام ويبتعد منهم و راح ليكون داعية للعدل والسلام سائحا من بلد إلى بلد لم يتوقف في مدينة بل كان يهاجر من مكان إلى مكان كما كانت الأنبياء تفعل ذلك ولم يقدسوا على حساب الدين بلدا ولا مكانا ولا مالا ولا عشيرة كذلك كان افلاطون ولعل هؤلاء الفلاسفة  كانوا من اتباع الأنبياء وكم دعي من قبل السلاطين ليكون عونا لهم في تحقيق الحكم لكنهم بعد حين وجدوا انفهسم لا يتمكنون ان يسايروا افلاطون لما كان عليه من اصرار على تحقيق العدل و لذا اكثر من دعاه من السلاطين اودعه بعد ذلك سجنا او جعله يعيش اقامة جبرية حتى وصل به الحال أن أحد تلامذته الذين كانوا من أسس الدعوة للعدالة فإنه لما وصل إلى الحكم دعا إفلاطون ليكون سندا له لكن الدنيا بغرورها بدلته ليكون طاغية وجبارا كذلك وإذ بذلك التلميذ ايضا وجعل افلاطون في السجن أو الإقامة الجبرية وسيتم الحديث إن شاء الله عن ذلك في المحاضرة القادمة والحمد لله رب العالمين.

2- احتمالات في المنقذ البشري في شرح قاعدة اللطف والشهود الإلهي

الإمام المهدي عج 2
إحتمالات في المنقذ البشري في شرح قاعدة اللطف والشهود الإلهي
كنا أيها الإخوة والأخوات في بحثٍ هام وهو بحث المنقذ البشري وقد قلنا إن فكرة المنقذ أو المهدي المنتظر قد ضربت جذورها في أعماق التأريخ البشري وإن راح البعض لينكر ذلك لكن إنكارا من زيد أو عمرو بدوافع مختلفة سواء رجعت إلى أمور طائفية أو إلى نزاعات بين القائلين بالأديان والمخالفين للأديان لا تؤثر على واقع القضية لأنها من الامور التي لا يمكن أن تضرب واقع قضية لها أصولها في الفكر البشري و لها واقعها على وجه الأرض وإن اختلفت الرؤى والتفاسير وأبعاد الفهم البشري لهذه الفكرة أو لهذه القضية حيث أنا مما نجزم به ولا نتردد أن كل قضية كانت مقسما مشتركا بين البشرية لابد وأن ترجع إلى أصول و جذور لها مناشؤها كانت قد دفعت الى ذلك المعتقد و أما القضايا الخاصة التي لم تكن مقسما مشتركا بشريا فقد يحددها المكان و الزمان  كبعض القضايا الخاصة الدينية او الإجتماعية لكن الأمور التي تأخذ أبعادا على صعيد انساني من الصعب أن ننسبها إلى وهم أو خيال أو نزعة قبلية ولذا نقول هناك من الأمور المتأصلة في أعماق الكيان البشري كمسألة الخلق الكريم حيث نجد أن أي إنسان على وجه الأرض يرتاح إذا وصف بأنه كريم وعدل وأنه ذو خلق حسن وما كانت لتتوحد البشرية في محاسن الأخلاق في مقابلها لولا أنها فطرة، و كذلك في الإنتماء الى العلم حيث أنه ليس هناك من أحد يرضى لنفسه أن يوصف بالجهل أو عدم العقل، فنقول إن هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ والمهدي المنتظر لا يمكن أن تحجم بإطار حيث يُدّعى أنها من نسيج خيال دفع إليه البؤس و الحرمان, فهي فكرة إنسانية وإن اختلفت الدوافع الداعية إليها، تحت اي لواء لكنها من الواقع البشري الذي لا يمكن أن ينكره أحد، وإن أمكن أن تكون من دواعي هذه الفكرة وهي فكرة المنقذ البؤس والإضطهاد والفقر حيث أنا لا ننكر على أن هناك دواع مختلفة قد دعت إلى هذا الأمر منها لأن البشر يعيش حرمانا على طول التأريخ وإن طبيعة من عاش الحرمان يتطلع ولو بروح الوهم والخيال إلى منقذ و إلى من يهديه إلى سبيل السعادة و النجاح لكن كون هذا من جملة الدواعي التي دعت البشرية  لا يكون دليلا على أنه السبب الوحيد لهذه الفكرة فهذا الأمر الذي له جذور بعيدة تاريخية هل من الممكن ان يُلخص بأن علته الحرمان و البؤس؟
ولذا نقول على الإنسان أن يكون اكثر اتزانا حيث أن اكثر الأمور التي تكون سببا لأمر لا يمكن أن نعللها بعلة واحدة كرقي أمة فلا يمكن ان يعلل لمجرد وجود قائد حيث أن القائد بنفسه ما لم تتعدد الأسباب و العلل و المعدات و المقدمات لا يكون معجزة سحرية لعظم أمة فلابد أن تكون قيادة وحضارة سليمة ومعارف و دواع مختلفة اجتماعية سياسية اقتصادية تدفع إلى أمة رقي وكذلك لا يمكن بأي روح أن ننسب إنحطاط أمة لسبب واحد، كأن نقول كما قال القائل البعض جهلا أن سقوط الإمبراطوية العباسية كان لخيانة زيد أو عمرو بل هي أسباب متكثرة من عدم لياقة حاكم وخرافة وخيانة وظلم وهلم جرا تجعل يدها بيد لتكون سببا لإنحطاط أمة، ولسنا بصدد بيان ما هو سبب انحطاط الأمم او سقوط الدولة العباسية لكن وجدنا الكثير ممن راح بدوافع الأحقاد او الجهل ينسب رقي أمة إلى معد او سبب واحد أو انحطاطها كذلك.
ولا يعقل أن نجد أمرا اتفقت عليه كلمة البشرية أن يعلل بعلة واحدة، ونقول لتقريب الذهن الى فهم المراد رب إنسان راح بمثل هذه الدواعي ليقول على أن الذين جاؤوا ولبوا دعوة الأنبياء هم فقط وفقط اولئك الفقراء و البؤساء لأن بؤسهم و فقرهم دفعهم للخروج و الاضطهاد الى تلبية نداء الأنبياء و ليس هناك اي سبب آخر كان ليدعو البشرية لنداء رسالات السماء نعم من جملة الدواعي لقبول دعوة الأنبياء هو البؤس و الحرمان ، لكن هناك من جاء لدليل عقل وبرهان وهناك من جاء حينما وجد صانعا ورباً و أنه لابد و أن يبعث للبشر من يهديهم سواء السبيل لطفا بحال العباد لا لأنه كان يعيش فقرا و آخر قد يكون قد لبى دعوة الأنبياء لأنه وجد اضطهادا قومياً و تمييزا عنصريا فراح بروح الإنسانية الحرة غير المقيدة بمثل هذه القيود الضيقة ليلبي دعوة الأنبياء وهلم جرا وعليه فلا نتمكن أن نجمع خلاصة الدعوة للأنبياء و أسباب تلبيتها بالبؤس مع وجود ما يمكن من دواع مختلفة ان تكون هي بكلها و تمامها السبب لاشتراك البشرية على طول التأريخ و منها سلامة العقل و الفطرة فكل هذه هي التي تكون هي الدافع لسماع نداء الأنبياء حيث يقال بالنسبة الى دعوة الأنبياء هذا عالم جاء لمزيد علم وهذا طاهر جاء لمزيد طهر وذاك عاقل جاء لمزيد عقل وهذا بائس جاء للخلاص من البؤس و هكذا.
وإذا توصلنا إلى هذا كمقدمة بيان نقول علينا أولا ونحن نريد أن ندخل دخولا عقليا وفهما ودراية لتحليل ما هي الدواعي التي دعت أن تكون هذه الفكرة فكرة عالمية، نقول هناك أمور واحتمالات نشير إلى بعضها.
1- من جملة هذه الإحتمالات التأمل في اللطف الإلهي، لكن قد يقول قائل أي رابطة للطف الإلهي في مسألة المهدي؟ نقول كل إنسان من بعد ما يطوي مرحلة من المراحل كالإعتقاد بالصانع و أنه المربي للكائنات للأخذ بها الى الكمال يصل إلى أن هذا الصانع العظيم وهذا المربي للعالمين لابد وأن يبعث مرشدا أو مرشدين ليكونوا مبشرين ومنذرين حتى يعيش البشر اعتدالا فهذه المسألة أي أن الله لطفا منه بحال العباد لابد وأن يبعث رسلا وأنبياء ليكونوا سببا للإبتعاد من الضلال ولابد أن يحقق لهم ما يبعدهم عن الباطل و ما يقربهم منه تعالى وأن الله هو الرب اللطيف الكريم فإذا جزم الإنسان بلطف الله تعالى جاء ليتأمل في المرحلة الثانية إلى  أن هذا اللطف لابد و ان يكون بالعلم للخروج من الجهل و إذا كان على أيدي الأنبياء فلابد و أن تكون دعوة الأنبياء بما تحمل من قيم علما و عدلا بأيدي أناس من بعدهم يحفظون هذه القيم حفظا لا افراط و لا تفريط فيه ولا جهل يكدره بظلمات الأوهام و الشهوات و أنه لا يمكن ان يُسلم هذا اللطف العظيم بأيدي الحكام والطواغيت ليرسموه للناس بعد الأنبياء بواسطة أذنابهم من وعاظ السلاطين و إني لا أتصور أن إنسانا عاش عقلا و سلامة فطرة أن يجيز لنفسه أن خلفاء الرسل  و الأمناء على رسالات السماء بيانا و تطبيقا هم الحكام لكن مع كل الأسف أن هذا ما قالته الأمة الإسلامية حينما عاشت تقليدا للآخرين ولذا ذُلت بواسطة هذا الجهل من بعد ما كان عليها أن تاتي مريدة طالبة ساعية معرفة الرجال الذين يمكن ان يكونوا خلفاء الرسل لبيان رسالات السماء و تطبيقها كما كان الأمر كذلك بعد جميع الأنبياء حيث أن اولي العزم من الرسل ما كانوا إلّا أربعة قبل محمد (ص) و جميع من جاء من الأنبياء انما كان تابعا لهم شارحا و مطبقا لرسالاتهم و هذا ما انكرته الأمة الإسلامية بعد رحيل قائدها الأعظم محمد (ص) لأنها أرادت ان تعرف الحق بالرجال و لذا نقول هكذا فكر ونور كان من جملة الدواعي للإعتقاد بالمنقذ البشري حيث أن البشر من بعد ما أتم الله تعالى لطفه في حقهم بأن بعث إليهم أنبياء وجعل بعد الأنبياء موازين عدل وهم الأوصياء ما أراد أن يكون العدل جبرا بل أراد ان يكون العدل نبلا تحمله ضمائر البشر باعتدالها ولذا صارت فكرة المهدي مقسما بشريا مشتركا وصار نداء عاما إنسانيا فأولئك الرجال الذين جعلهم الله بعد كل دعوة نبي كريم إن انحرفت الأذهان أراد ميزانا يحفظ هذا الواقع فمن اصول واقع هذا الفكر وهذا التصور هو اللطف الإلهي فمن عرف اللطف الإلهي بعيدا عن جهل الجاهلين وإن سماهم بأمراء المؤمنين سيجد وبوضوح على أن فكرة المنقذ مرتبطة باللطف حتى لا نذهب إلى من قالوا أن تلك الفكرة خرافة صاغتها اوهام الشيعة او دوافعهم السياسية فالقول باحتياج إلى ميزان عدل مطبق لرسالات السماء ليس خرافة، بل الخرافة عقل متحجر يأمر البشرية أن يكون تحت سياط الحكام والطواغيت و لو ضربت ظهور الناس و سلبيت أموالهم فمثل هذا الفكر اولى بالخرافة و المتاهة.

2- قد ننظر إلى هذه الفكرة نظرة عرفانية شهودية حيث نجد المنقذ او المهدي المنتظر هو ظهور الأسماء الإلهية جمالا وجلالا، حيث نقول يحكم واقع طهر النفس وشهود الحق تعالى متجليا ظاهرا واضحا حيث يجد العارف بطهره وزكاته اسماء الحق و صفاته بكلها وبتمامها متجلية على وجه الأرض بإنسان كامل هو مظهر مشيئة الله لتحقيق قيم رسالات السماء عدلا و إحسانا بعد تمامية تجليات العلم و النور و هذا الشهود لا يكون إلا لذوي الطهر الذين يشاهدون الحق تعالى بكل الأسماء و الصفات وهي نفوس وجدت أن من المستحيل أن تطوى الأرض بدون أن تبرز صفات الله جمالا وجلالا على هذه الأرض بكل أبعادها و أنه من المستحيل ظهور الحق بكل اسمائه و صفاته على ايدي الظلمة والجبارين و اذنابهم من وعاظ السلاطين بل على أيدي رجال صالحين هم مظاهر اسم الله تعالى علما وعدلا فلا تظهرهذه الحقائق التي هي واقع رسالات السماء بالأماني والتصورات باستسلام العقول وذلها بيد الدجالين بل تظهر ليشهد البصير عدل الله متجليا بكل موازينه وقيمه عدلا على وجه الأرض حياة كرامة لا تكون إلا على أيدي رجال هم ميزان عدل الله تعالى، فمن تأمل وجد أن من جذور هذه الفكرة وهي فكرة المهدي والمنقذ والعدل الإلهي على وجه الأرض هي شهود العارفين الحق تعالى متجليا بإنسان كامل يجد بد تمامية رسالات السماء و ختمها على يد سيد الكائنات محمد (ص) أنه يجب وراء ذلك ان تتجسد هذه الرسالات في الخارج على يد انسان كامل هو مظهر نور الله تعالى ومثل هذا الشهود البعيد عن أعين المحجوبين ليس خرافة بل الخرافة استسلام الرقاب للطواغيت و الجهلة و الماكرين ولابد وأن يتجلى الله بكل أسماءه وصفاته في عالم البرزخ وعالم العقل وكذلك في عالم النور أيضا برجال يجسدون هذا الواقع ولذا قلنا كذلك لا تطوى الأرض قبل أن يتجلى الحق بكل أسماءه وصفاته عليها بعظيم خلق وهو الإنسان الكامل الذي هو لسان صدق للأنبياء بما جاؤوا به من توراءة و انجيل و زبور و قرآن وما جاء به نوح و إبراهيم و من قبلهما آدم عليهم السلام والحمد لله رب العالمين. 

1- مقدمة عن المنجي البشري

مقدمة عن المنجي البشري
نريد أيها الإخوة والأخوات أن نبدأ بحثاً من أهم البحوث على صعيد العقيدة والعمل وهو البحث عن المهدي او المهدي المنتظر أو المنقذ البشري حيث أنه فكرة أو بحث أو معتقد أو طموح أو أنه تطلع ورؤى قد ضرب في أعماق التاريخ أركاناً وأصولاً لا مجال لإنكارها وإن حاول الكثير من الناس بدوافع مختلفة ليقول قائلهم إن هذا البحث إنما هو خرافة و وهم سواء فسر على صعيد ديني أو فسر على صعيد تطلع للشعوب وسنتكلم عن هذه المحاولات التي تريد أن تعطي طابع الوهم والخرافة لمثل هذا الأمر وهو فكرة المهدي أو فكرة الخروج من البؤس والإضطهاد التي يمكن أن نقول أنها مقسم مشترك بين جميع الشعوب على اختلاف مشاربها دينية وغير دينية ومن المعلوم أن كل فكرة تأخذ مأخذها بجميع أبعادها على طول التاريخ البشري ولم تكن خاصة بأمة ولا بشعب ولا زمان ولامكان لابد أن نجد جذورها إما بعقل بشري أو في فطرة إنسانية أو في رؤى تحقيق خلق وقيم أو أن نجد جذورها في واقع السعادة والشقاء أو العدل والظلم فهذه حقائق أمر لايمكن لأحد أن يغمض الطرف عنها, فهكذا هو البشر عاش يتطلع إلى السعادة يتطلع إلي يوم حق تعيش فيه البشرية كرامتها، هكذا هو البشر عاش متطلعا إلى خير, نعم قد يخطأ في المصاديق وقد لا يتمكن أن يتوصل إلى تحقيق الحق والعدل لكن كل هذا يدل على أن هناك واقع أمر هو في أعماق الوجود والغايات التي خلق من أجلها الإنسان راحت لتدفعه ولو كان غير ملتفت لمواطن الحركة وسبلها ومن يمكن أن يكون من اركان تحقيق هذه السعادة أهم الأنبياء أو الأوصياء للرسل أو هم الصلحاء أصحاب الضمائر الحية أو من قالوا هلمّ الينا إيها الناس نريد أن نتحرك بكم لنخرجكم من اضطهادكم وحرمانكم بالديمقراطية أو الشيوعية فهذه حقائق لا يمكن أن ننكرها سواء خرجنا بقيم عقلية ومبادئ أو فرضناها بأناس معينين هم من دعاة الديانات أو هم رجال جاءوا أو سيأتون داعين الناس إلى الإبتعاد عن الظلم والإضطهاد, لكن هناك نفوس إدّعت اخراج البشرية من اضطهادها أو كانت تريد هذه الدعوة لمآربها لكن الجامع وهو أن هناك واقع أمر هو واقع العدل والكرامة البشرية وإن أخطأ الناس السبيل لكنهم يريدون في أعماقهم أن يعيشوا علما لا جهلاً فمثل هذا واقع لا يستطيع أن ينكره أحد.
ولعل قائلا يقول إن تطلع البشر للخلاص من البؤس والحرمان هو الذي دفعه و لو بواقع الوهم و الخيال  إلى أن يعيش هذا الوهم وهو وجود منقذ بشري او مهدي منتظر يصلح حال العباد حيث أن كل بائس وفقير كاد أن يحلم بيوم خلاص وهو من وراء هذا الخيال يريد أن ينفس عن كربه ومشاكله فيكون هذا هو الذي دفع لتصبح فكرة المهدي او المنقذ البشري وجها مشتركا بين كافة الشعوب لأنها عاشت على طول التأريخ بؤسا و اضطهادا إلا ما ندر منها.
أو نقول أن هناك أمرا لا يمكن أن نطويه في مثل هذا السجل بل الامر يتجاوز عالم الخيال وليس من العقل أن نقول كل ما كان من دوافع السعادة في مقابل الشر والشقاء يعود الى عالم الوهم و الخيال لأن البشر يعيش بؤسا أجل لا يمكن أن يكون مثل هذا التحديد لمسألة المنقذ و المهدي التي هي من المقاسم المشتركة بعد كون هذه الفكرة قد ترجع الى واقع خلق كريم أو فطرة أو عقل كما و انه يمكن ان تكون بواعثها قد حصلت من قبل الأنبياء أيضا لأنهم وعدوا البشرية بيوم سعادة و خلاص فكل هذه الإحتمالات و الدواعي لهذه الفكرة لا يمكن ان تُلخص بأنها ناشئة من الوهم و الخيال لبؤس بشري.
كما وأنه يمكن أن نكون أكثر انصافا بأن نقول إن الله تعالى الذي خلق البشرية وجعل الغاية من الخلق عدلا به كرامة و خروجا من الجهل لتعيش الإنسانية كرامتها بالعلم والعدل هذا الواقع الذي دعت إليه الأنبياء جميعا ودعى إليه كل صالح على وجه الأرض حتى ولو لم يكن مرتبطا بدين حيث أن الإنسان الصالح لا يقبل الجهل والشر بديلا عن العلم والخير فهذه هي قيم الإنسانية هي القيم التي أرادها الله محققة على وجه الأرض بواسطة أنبياءه وأوصياء الرسل ولا يمكن أن يطوى سجل الأرض بدون أن يحقق الله هذا العدل العالمي لتخرج الأديان من كونها فرضية إلى عالم العيان و الخارج بكل ما وعدت به الأنبياء و ما ورد من حديث عن علم او إحياء الموتى و غير ذلك و إلا لكان لقائل أن يقول ولو في يوم الحسب و المحشر يا الهي وسيدي كم من إنسان جاء على وجه الأرض و دعى الى العدل و دعى أن به الخروج من البؤس و الجهل الى عالم الخير عالم العلم و الإخاء و السلام عدلا و إحسانا لكن قد يكون هذا حلما و خيالا تتمناه النفوس و قد أحبت تحقيقه الأنبياء لكنه لوجاء واقع التطبيق لوجدناه يتصادم مع الخارج و التصادم مع الخارج كان سببا لعدم خروج هذه الفرضية الى العيان و الخارج و دليلا على كونه إفتراضا لا مجال لتطبيقه و بعبارة أخرى لعل قائلا يقول يوم القيامة يا الهي أنا لا اتردد فيما دعت إليه الأنبياء لكن أين الارض من الصدق والعدل فالارض ما كانت لتقبل عيشا بهذه الكيفية نعم على صعيد الوهم والخيال ربما يمكن أن نقبل هذا الواقع لكن يا الهي وأنت الأعرف بحقائق الأمور ما وجدنا نبيا حقق عدلاً ولا وجدنا حكيما ولا عارفا حقق عدلا كلهم جاؤوا فتصادموا مع صخرة صماء غير قابلة للنفوذ فيا الهي فليكن لنا العذر إن لم نكن أهلا لتحقيق مثل هذا الحلم و المُثُل لكن الله تعالى له الحجة البالغة و لا يجعل لأحدا حجة عليه فلابد وأن يحقق ذلك اليوم وهو يوم الخلاص البشري لتقام به الحجة وقيم شرائع السماء ضاربة أركانها على وجه الأرض فكيف يمكن أن لا يخرج الله تعالى الدين وهي تلك الشرائع التي جاءت بها الأنبياء وهي دين السلام حتى لا يقول قائل لو حكمنا لعدلنا او ان فريضة العدل انما كانت وهما وخيالا ولكي لا يقول قائل نحن كعباد لله صدقنا إحياء الموتى أو صدقنا كل ما جاءت به الرسل على لسان آدم و نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و محمد عليهم السلام لكن التصديق شيء والوجدان و التحقق الخارجي شيء آخر فالله تعالى لابد وأن يحقق تلك القيم حتى تكون حجة على الماضين والباقين على أن دين الإسلام ما كان افتراضا ولا وهما ولا خيالا نعم لا يمكن ان يتحقق الشيء إلا بتحقق أسبابه التي سيحققها الله إن شاء يوم الظهور و الخلاص البشري من الجور و الجهل.
كما و أن فكرة المنقذ او المهدي ليست كما يتوهم البعض فكرة المدينة الفاضلة لافلاطون حيث وجد نفسه على الرغم من كل مسعاه يتواجه مع الطغيان والجبروت حتى الذين واعدوه أو كانوا في البداية يريدون المساعدة له فإنهم لما تسلطوا كانوا جبابرة واكثر الناس هم هكذا فإنهم حينما يكونون فقراء بائسين يدعون الله مخلصين له الدين أن يحقق لهم عدلا لكن التاريخ قد أثبت أن الكثير من هؤلاء الفقراء و البؤساء و المضطهدين بمجرد أن يصبح صاحب سلطان ينسى كل شيء وينسى القيم و الإنسانية فيصبح مستأثرا يريد كل شيء لنفسه لا يعرف عدلاً بالأمس كان يتكلم عنه و قد وجدنا بأنفسنا من هؤلاء بعد السلطة كيف اصبحوا جبابرة طغاتا هكذا هم أكثر البشر فإذن لابد وأن يجعل الله تعالى أناسا صادقين بكل واقع الصدق باطنا وظاهرا يدعون إلى مسالك ربهم ليخرج الدين من الفرضية إلى الواقع الخارجي عدلا و علما.
وهناك تساؤل قد يرد في المقام وهو هل أن فكرة المهدي المنتظر مع فكرة المنقذ البشري هي فكرة واحدة؟ نقول ربما كان في مسألة المهدي المنتظر مزيد علم على المنقذ البشري فربما راح البوذي لينتظر منقذا أو الكثير من الناس ليتطلع إلى منقذ بشري لكن المنقذ البشري وإن كان معناه هو الإنقاذ لكن الخلاص الرباني على يد المهدي المنتظر هو خلاص بإقامة الحجة و خلاص بالعلم و العدل للخروج من الظلم والإضطهاد وهاهنا لابد من الإلتفات إلى ان الحرية قد  يفسرها كل واحد على بتبع منظاره و رؤآه وكذلك تفسر العدالة ولو أن يوما من  الأيام ظهر ذلك المنقذ لوجدنا الكثير من الناس سيعيش استغرابا وعدم فرحة لأنه كان في خياله يتصور العدالة حقا لنفسه و لو على حساب الإنسانية و الأديان ولعل الكثير من الناس لو جاء الحق لما كان مسرورا به لأنه رسمه لنفسه كرامة وعدلا و حكومة إلهية فوجد نفسه فيها الآمر والناهي و حينما يأتي الواقع سيجد لنفسه له من الخير ما لغيره و قد لا يرضى بذلك وعليه فلا يتصور أحد ونحن في بداية خطاب وكلام على أن المهدي المنتظر سترضى منه البشرية بكلها وتمامها وستكون مسرورة به نعم سوف يستر به من كان في واقعه عدلا يريد الخلاص للإنسانية  و أما الذين يريدون الخلاص لأنفسهم فهم متكبرون وسوف يتواجهون مع واقع قد لا يكون مدعاة لسرورهم والروايات تؤكد على أن الكثير من رجال الدين ومن الذين كانوا يظنون أنهم سباقون إلى ذلك الركب العظيم لأنه كان يظن نفسه عالما فاذا وجد نفسه معتبرا من الجهال فقد لا يرضى بهكذا تقييم و ميزان، لأنه كان يظن نفسه من القادة المقربين حيث أنه جاء بيان الواقع لشرع الله ببطونه وظهر على ان بتلك الأبعاد الكثير من الناس الذين كانوا يظنون انفسهم من العلماء اعتبرهم ذلك المنقذ و المهدي بتبع هذا الواقع و البطون من الجهال فإنهم لا يرضون لأنهم ذلك و لا يصبحون مسرورين بمثل هذا العدل الإلهي وكذلك هو حكم الكثير من المنافقين الذين لجهلهم كبرا ظنوا أنفسهم من يستحق ان يكون من المقربين فإنهم اذا وجدوا انفسهم لا مكانة لهم في العدل الإلهي فإنهم سوف لا يصبحون مسرورين بذلك العدل الإلهي و ذلك لأن الكثير من أمثال هؤلاء ربما عاش قيادا و قربا لأن الحكم طيلة التأريخ كان على المظاهر لا على البواطن إلا ما كان من تعيين لنبي او وصي نبي او لرجل أراد الله به تحقيق عدل او بيان علم في موطن خاص أجل ذلك العدل الإلهي لا يقام إلا برجال صدق هم في اعماق نفوسهم كذلك وليست هناك من ألقاب او عناوين تُعطى لشخص بحسب مقاييس و موازين الظاهر ولو كان قبل الظهور قد عاش قطارات من الألقاب دينية او غير دينية فكيف مثل هؤلاء جميعا يتمكن أن يجد نفسه قد سلبت منه تلك العناوين حثيل لا يقال له فلان ولافلان وهو يرضى ان يعيش لواقع العدل وقد سلبه العدل كل ما كان له من الألقاب و العناوين و المال و الكرامة الإجتماعية.
فهذه من المطالب التي أردنا التنبيه عليها قبل الدخول في البحث و من الأمور التي لابأس من التبيه عليها قبل الدخول في البحث هي أن الكثير منا ولو كنا من أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام لكننا ربما رحنا لنرسم بواقع الخيال لمن نعيش حبهم كعلي و بقية المعصومين عليهم السلام من أنهم بكذا جمال و أنوار بحيث لو وجد الواحد منا من اؤلئك العظماء احدا لاستغرب من أنه كيف لا يكون بتلك الكيفية التي رسمتها المخيلة وهكذا نحن قد نكون لو وجدنا عند الظهور مهدي آل محمد (عج) الذي رسمناه في المخيلة جمالا و نورا مخالفا لمثل هذه التصورات وهو بعد كل هذا الوهم صرامة و شدة في تنفيذ عدل و ميزانا لا يُفرق في عدله بين زيد وعمرو و ربما كان ذلك العدل سببا لسلب مال او جاه او مقام ولعل اليوم لو راح البعض ليعيش مع محمد او موسى او عيسى عليهم السلام سيجد نفسه غير ما كان يتصور لأنه بوهمه رسم رجالا لا مصداق له في الخارج حيث ان ما رسمه في مخيلته بأبعاد عالم الخيال ما كان لا مَلَكَا ولا بشرا بل كان خرافة ووهما عاشها صاحبها و ظن بهذه الخرافة و المخيلة أنه يعيش ارتباطا بأولياء الله تعالى فإذن نقول كذلك هي العدالة وكذلك هو الإسلام سيعيشه من عاش حباً لواقع يمكن أن يكون متجسدا في الخارج بأهله برجال يقومون به بيانا و تطبيقا و أما الذين ملأت أذهانهم دينا و رجالا لاربط له بالواقع الأمر فأؤلئك سيتفاجئون على أن الدين ليس هذا ولا هؤلاء رجاله فإذن نقول علينا أن نكون اكثر تأملا في دقائق الأمور حتى لا نرسم العدالة بمخيلتنا ولا أي شيء آخر كذلك لأن هذه المخيلة قد ابتعدت عن واقع أمر وعن واقع رجال ودين فرسمت لنفسها دينا ورجالا فلو وجدت اليوم وهي تعيش حباً وعلاقة بمثل عمار أنه رجل اسمر اللون ابن حبشية لما كانت ترضى لنفسها أن هذا هو عمار الذي رسمته في مخيلتها في حين ان عمار مكانته عند الله لأنهم يعيش قمم العلم و يجسد حقيقة العدل.

فرجال الدين والعدالة ليسوا كما صغناهم في أذهاننا تشع منهم أنوار الملكوت ظاهرة ونجد ملائكة ترفرف عليهم بأجنحتها فنحن نريد أن ندخل بحثا له أبعاده العلمية و الخارجية ويرتبط بواقع الكرامة الإنسانية بعيدا عن الوهم و الخيال و العدالة التي تكون على حساب الآخرين والحمد لله رب العالمين.

إذا كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله تعالى

محاضرات لسماحة الأستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني
الموضوع: إذا كان لكل شيء علة فما هي علة الله تعالى



3- إذا كان لكل شيء علة فما هي علة وجود الله تعالى؟

ما هي علة وجود الله المحاضرة 3

وصل بنا البحث في ما هي علة الله تعالى وقد شرحنا بعض المقدمات  لبيان هذا الإستدلال والان ندخل في كيفية الاستدلال حتى يكون الامر واضحا حيث أن ما جرى هاهنا ما كان الا مغالطة وليس بواقع برهان أو إشكال لأن المتكلم لبساطة او شبهة القيت في المقام تصور أن الكلام : إن لكل شيء علة وإذا كانت القاعدة العقلية تستدعي أن يكون لكل شيء علة  فتجري القاعدة على أن يقول القائل إذن ما هي علة الله لكن قلنا المسألة ليست هكذا بل القاعدة هي أن لكل ممكن علة وليس لكل شيء علة وهناك قد بينا أن الممكن حاجته إلى العلة بديهية لأنه لااقتضاء الذات لكن الوجود بما هو وجود المقابل للعدم الطارد له لا يقال هاهنا ما هي علة الوجود لأنه لا ثالث الا العدم أوالماهية أي الذات اللااقتضائية وكل من تأمل وتعقل المراد من العدم أو المعقول من الماهية اللااقتضائية علم أنها ليس لها الاصالة لطرد العدم كما وان العدم الذي هو صرف اللاشيئية لا يمكن أن يكون علة للوجود ولا يمكن أن يكون صرف العدم علة للوجود و بعد هذا نقول:
إن أصول المعقولات ثلاث: 1- مفهوم وجود يحكي عن حقيقة وهي العينية  2- ومفهوم عدم يحكي عدم العينية أي اللاشيئية ولو من حيث التصور الذهني  3- والمفاهيم الماهوية.
المفاهيم الماهوية سواء تصورنا إنسانا او ملكا او شجرا، كل مفهوم ماهوي بحسب ذاته هو لااقتضاء الذات ونضرب مثالا بالإنسانية فالإنسان لو كان الوجود عيناً أو جزءا له لوجب أن يكون قديما أزلياً ولو كان العدم هو واقعه أو دخيلا في هويته لامتنع تحققه فهذا هو واقع الممكن، حيث أن الممكن كل من طرفي النقيض يمكن أن يكون صفتة له و أعني من طرفي النقيض الوجود و العدم  فيمكن ان نقول الإنسان كزيد موجود لوجود علته التي حققته والمعقول كعمرو معدوم لعدم علته وما أمكن أن يوصف بكل من طرفي النقيض وهما الوجود والعدم لا يكون العدم عينا ولا جزءا له.
كل الممكنات أي كل ما يطلق عليه أنه ذا ماهية أي ذا قدر وحد وجودي فهذا القدر والحد الوجودي ما كان ليتحقق الا بالغير أي  لعلة وراء ذاته، وهنا امر لابد من التوجه إليه وهو أنه بحسب العقل أن هناك ما يكون من الترجيح بلا مرجح وهناك ترجح بلا مرجح و كل منهما قد اتفقت كلمات الحكماء والعقلاء على استحالتهما والمراد من الترجيح بلا مرجح أن يتحقق الشيء بلا علة غائية والمراد من كون الشيء بلا علة غائية اما ان يرجع إلى العبثية وهذا لا تتعلق به الإرادة لمرجوحيته فلو كان المحقق له علة عاقلة تامة لما حققته لأنه ترجيح لأحد الطرفين المتساويين بلا مجح وهو الأمر الممكن فلا تتعلق به المشيئة والإرادة وإن أريد منه التحقق الخارجي فالشيء كما وأنه لابد و أن يوجد بعلة فاعلية كذلك لابد له من علة غاية أي لابد أن يوجد ليسير هدياً معينا فلا يمكن أن يوجد لا لغاية تأخذ به نحو ما يناسبه من السير تكاملاً أو تغيرا وتبدلاً فاتفقت كلمات الحكماء و العقلاء على أنه من المستحيل أن يتحقق الشيء بلا علة غائية وهو الترجيح بلا مرجح وقد نسب إلى بعض المتكلمين القول بالترجيح بلا مرجح حينما قالوا إن الله يحقق الأشياء لا لمصلحة ولا لغاية ظنا منهم أن ذلك تعظيما لله ، ونسوا أنه تعالى لا يفعل فعلاً لغاية تعود إليه لا أن الشيء يتحقق لا لغاية فالشيء والممكن لابد وأن يتحقق لغاية  فخلطوا مابين أنه يفعل الفعل لا لغاية وراء ذاته وبين كون الفعل بما هو فعل لا غاية له هاهنا وقع خلطهم وهناك أمر آخر أيضا اتفقت عليه كلمات العقلاء طراً وإن ناقش بعض المتكلمين أو الأشاعرة في مسألة الترجيح بلا مرجح لكن بالنسبة إلى الترجح بلا مرجح ليس هناك من نقاش ابدا لاتفاق الجميع على إستحالته والمراد من الترجح بلا مرجح أن يتحقق الشيء بلا علة فاعلية أي بلا موجد و علة تامة أو يكون هو علة لنفسه حيث ان معناه اجتماع النقيضين بأن يكون موجوداً لا موجوداً أي بأن يكون موجوداً حتى يوجد نفسه وأن يكون لا موجوداً حتى يمكن أن نفترضه يوجد نفسه فإذن القول بالترجح بلا مرجح يرجع إما لاجتماع النقيضين وهو باطل ببداهة العقل أو يرجع إلى تحقق الشيء بلا علة وهذا محال أيضا و كل الممكنات طرا لو ادعى المدعي تحققها بلا علة فاعلية لكان ترجيحا بلا مرجح وهو مما اتفقت عليه كلمات العقلاء بطلانا و إذا كان هذا هو حكم واقع الإمكان طراً فإذا أخطأ بعض الأشاعرة فقالوا بجواز الترجيح بلا مرجح لعدم فهم للمراد لكن لم يقل عاقل أن شيئا يتحقق بلا علة والممكنات هي بحسب هويتها لا اقتضاء الذات.
 ولذا قال العرفاء والحكماء على أن حاجة الممكن إلى العلة بديهية يعني لا تحتاج إلى برهان فقط تحتاج إلى فهم معنى الممكن فمن فهم الممكن عرف أنه لا اقتضاء الذات فإذن من جملة البديهيات التي تحتاج فقط إلى معرفة معنى الإمكان ليحكم العاقل بنفسه أن الممكن لا اقتضاء الذات لا يترجح بنفسه بل يحتاج إلى علة  و إذا عرفنا أن العدم هو اللاشيئية وعرفنا أن الممكن لااقتضاء الذات وأن الترجح بلا مرجح مستحيل عقلاً ولا يمكن أن يقول به عاقل اتضحت لدينا الكثير من الحقائق.
 وأما قول بعض الملحدين من أن الكون تحقق صدفة فلا يريدون من ذلك أن الكون من باب الصدفة خرج من كتم العدم وإنما يريد قائلهم ان يقول إن النظم حاصل من المادة المتصادمة المتفاعلة أي ان النظم حصل صدفة لا أن عالم الإمكان تحقق صدفة بلا علة يدعون أن المادة قديمة و أما قول القائل أن الصدفة اخرجت الأشياء من كتم العدم فعليه يجب أن تكون الصدفة حقيقة وجودية لكل شيء لتكون سببا للمادة أو لأي أمر مفترض آخر لكن لا يمكن أن يتكلم ذو عقل على أن الكون نشأ صدفة أي نشأ لا عن علة، و إذا عرفنا اصول المفاهيم كمفهوم عدم يقابله وجود، وعرفنا ان الوجود هو التحقق والعينية وعرفنا ان هناك مفاهيم واقعها اللااقتضاء وعرفنا أن الممكن واجب بالغير نأتي إلى المفهوم الثالث في المقام وهو مفهوم الوجود بما حاك كمرآة عن واقع التحقق لأن العاقل لا يتكلم عن المفاهيم بما هي مفاهيم بل عن المفاهيم بما هي مرآة للمعنى والحقيقة فإذا كانت المفاهيم لها المرآتية للحقيقة نقول بعد ذلك هل الحقيقة تعود لصرف العدم او تعود لما هو واقع اللااقتضاء الذاتي المعبر عنه بالأمر الماهوي نقول لا يمكن أن تكون الحقيقة التي يبحث عنها العاقل بغض النظر عن أنها واجبة و أنها هي الله الذي هو صرف الوجود فإن هذه الحقيقة الطاردة للعدم التي هي واقع التحقق وليست لا اقتضاء الذات فهذه الحقيقة التي هي حقيقة التحقق والعينية التي حكاها مفهوم الوجود نأتي إليها ونقول إن هذه الحقيقة لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها كما و أن الإنسانية لا تعطى للإنسانية لأنه تحصيل حاصل ولا الإنسانية تسلب من الإنسانية لأنه من جمع النقيضين فإذا كانت كل المدركات هذا واقعها، فمن جملة المدركات هي الحقيقة الطاردة للعدم أزلا لا الطاردة له بواسطة الغير،  ولا ما إذا كانت لا اقتضاء الذات وهي الحقائق الماهوية فهذه الحقيقة وهي حقيقة الوجود لا يمكن أن نقول أنها اكتسبت التحقق من العدم لأن العدم لا يكون منشأ لأمر ولا يمكن أن يقول عاقل بعد فهم المراد من الماهية والإمكان وواقع لا اقتضاءها الذاتي أنها هي الطاردة للعدم و أنها هي النقيض للعدم فإذن هناك حقيقة هذه لها العينية ولا تعطى لها العينية ولا تسلب منها العينية ولو افترض مفترض على أن حقيقة الوجود لابد لها من علة لكان علة الوجود أيضا تحتاج إلى علة وتساق الأمور إلى اللانهايات في موطن الوهم يعني إذا كان كل شيء يحتاج إلى وجود أو يحتاج إلى علة ولم نقل أن كل ممكن هو الذي يحتاج إلى علة لكان نتيجة الأمر ما افترضناه وجوداً أو ما افترضناه علة للوجود هو بنفسه يدخل تحت القاعدة اي لابد له من محقق ومحققه لابد له من محقق ومحقق محققه لابد له من محقق و هكذا يجري الكلام في كل شيء إفترضناه علة فكما وأن كل شيء بالنور يمكن مشاهدته والنور بنفسه ظاهر مشهود فكذلك نقول كل شيء يخرج من كتم العدم بالوجود الصرف الأصيل الأزلي و إلا للزم التسلسل في كل الحقائق  فإذن كل شيء يكتسب حلة التحقق بغيره أي بالوجود،  فالإنسانية والشجرية والسماء تكتسب حلة التحقق  بالغير لأن حلة التحقق صفة لها وليست عين ذاتها و لذا نقول الإنسان قد يتصف بالوجود كزيد وقد توصف بالعدم قبل أن يوجد كعمرو وما يمكن أن يوصف بكل من الوصفين كالإنسان لا يكون واقعه التحقق، لكن لا يمكن أن نقول أن الوجود أو العينية أو التحقق المقابل للعدم اتصافه بالتحقق يحتاج إلى علة، الشيء بنفسه لا يعطى لنفسه ولا يسلب عن نفسه كما وأن كل معقول ولو كانت إنسانية لا تعطى لنفسها لأنه تحصيل حاصل ولا تسلب عن نفسها كذلك لأنه جمع بين النقيضين كذلك نقول حقيقة طرد العدم المقابلة للعدم بما هو عدم هذه الحقيقة سميناها وجوداً، سميناها شيئاً هذه لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها لأن إعطائها لنفسها تحصيل حاصل وسلبها عن نفسها جمع نقيضين وإذا قلنا أن كل شيء وكل وجود يحتاج إلى علة لكانت النتيجة أن علته أيضا تحتاج إلى علة وعلة علته ايضا تحتاج إلى علة فبالنتيجة يجب أن لا يتحقق شيء لأنا فرضنا أن كل شيء لا يتحقق إلا بغيره فهذه الغيريات تساق بالمآل إلى اللانهايات فإذن نعود ونقول إن حقيقة الوجود هي تلك الحقيقة الطاردة للعدم التي ليس الوجود صفة لها بل هو واقعها, الوجود متحقق بنفسه ولم يتحقق الوجود بوجود آخر ولا بغيره هذا الواقع هو تلك الحقيقة الأصيلة التي الوجوب لنفسها لا لغيرها ولو كان الوجوب لغيره لانساق الأمر إلى اللانهايات الوهمية، فإذن نقول تلك الحقيقة التي لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها وهي حقيقة الوجود المقابلة للعدم لأن الوجودات الماهوية ليست نقيض العدم ذاتا وإلا لو كانت نقيضة للعدم لكانت أزلية، فتلك الحقيقة المقابلة للعدم ذاتا لا يعطى لها التحقق ولا يسلب عنها و هذه الحقيقة لو كانت محدودة ماهوية لانساق الأمر إلى حاجة وعلة في جميع الأشياء ولكان لازمه أن لا يتحقق شيء لجريان النزاع فيها ايضا من أنها تحتاج الى علة  فالواقع العيني في مقابل العدم وجوبه بنفسه ولابد أن يكون هذا الوجود صرفا ومحضا وأن يكون أزلياً حتى لا نسوق الذهن إلى أن التحقق و العينية ناشئة من العدم لأن هذا الواقع سابق على العدم ويبقى العدم كمفهوم ذهنيا لا يتجاوز هذا الإطار وهذه الحقيقة الصرفة هي التي طردت العدم أبداً وأزلاً وهي التي كانت سبباً لاتصاف الممكنات بالتحقق و هذه الحقيقة الأزلية الطاردة للعدم هي بنفسها ما تكلم عنها الصديقون حينما قال قائلهم إن الإنسان العاقل ببداهة العقل يعرف أن الواقع الإمكاني لا اقتضاء الذات فهو بالبداهة محتاج إلى العلة لأنه في واقعه عدم لولا الغير لإحتياجه الى العلة بالبداهة لأنه لا إقتضاء الذات و هاهنا ما قيل من أن كل ممكن محتاج الى العلة و لم يقل عاقل بأن كل وجود و كل شيء محتاج الى العة.
فالصديقون ما شاهدوا إلا الوجود ومن شاهد الوجود بما هو وجود عرف أنه ليس خليطا من الوجود والغير وهي الحقائق الماهوية، فالصديقون شاهدوا هذه الحقيقة الصرفة التي هي لا تعطى لنفسها ولا تسلب عن نفسها فأولئك تكلموا عن شهود فقال قائلهم يا من دل على ذاته بذاته، وهاهنا نحن نتكلم استدلالا ومفهوما ودركا على أن الحقيقة الطاردة للعدم هي واقع التحقق الصرف و هذه لا يمكن أن نفترض لها علة، و إلا لانساقت جميع الحقائق الى الحاجة الى العلة ومن ذلك يلزم ان لا يتحقق الشيء لأنه لا يمكن ان نفترضها نشأة من عدم او العدم كان لها علة و تلك الحقيقة الصرفة لم يقل قائل على أنها محتاجة الى علة لأن المحتاج الى العلة هو ما كان لا إقتضاء الذات و هي الحقائق الماهوية و هذه الحقيقة الصرفة هي المقابلة للسفسطة والوهم وبها خروج الحقائق اللاإقتضائية الماهوية من كتم العدم و لا يجوز لعاقل ان يقول أن هذه الحقيقة لابد لها من علة لانه علتها إما العدم و العدم لا يكون علة او اللاإقتضاء الماهوي و هو متساوي النسبة الى كل من الوجود العدم فلا يكون منشأة للعينية و التحقق بنفسه و ذاته فإذن ما قيل من الحاجة الى العلة حدوده هي الماهيات و الممكنات لا الوجود.
فإذن خلاصة القول في المقام إن ما نحن فيه من الشبهة إنما هي شبهة ولا استقرار لها كدليل وبرهان شبهة أطلقت فقال قائلها (إذا كان كل شيء له علة فما هي علة وجود الله) و نحن لا نقول إن الوجود له علة فالوجود لا يمكن أن تكون له علة لأنه لا يمكن أن نفرض علة للوجود وإلا لكانت إما العدم او اللا إقتضاء الماهوي و نحن نجزم ان كل ممكن هو بنفسه يحتاج الى علة فلا يكون علة لأصل الوجود فإذن الشبهة طرحها الطارح إما جهلا أو مكرا وخداعا اومغالطة على البسطاء فقال على أنه اذا كان الموحدون يدعون أن لكل شيء علة فما هو علة ربهم، فنقول لا الموحدون بما هم موحدون ولا الفلاسفة ولا العرفاء قالوا أن لكل شيء علة و إنما قالوا لكل ممكن علة ولو قال قائل ان كل وجود و كل شيء لابد له من علة للزم أن لا يتحقق شيء لأن ذلك الشيء المفترض أيضا لابد له من علة فإذن الشبهة عند التأمل ليست بشبهة مستقرة وإنما هي بدايات تصور يسوق البسطاء إلى التساؤلات كما وأن شبهة بن كمونة أيضا ليست بشبهة وهو حينما قال هل لا يمكن أن نفترض إلهين  حيث أنه إذا افترضنا إلهين افترضنا ممكنيين محدودين وإذا افترضنا ممكنيين محدودين إفترضنا لا اقتضائين واحتاج الامر إلى علة لكل منهما لأن المحدود بواقعه لا اقتضاء الذات فكما وأن شبهة بن كمونة عند التأمل لا تستقر على كرسي البرهان لتطرح بنحو برهاني لأنها افتراض الهين أي افتراض محدودين اي افتراض ممكنيين فهنا أيضا طرح المسألة بأن كل شيء يحتاج إلى علة إنما هو وهم و خيال لأن معناه لا شيئية تنشأ منها الحقائق سواءا افترضناها العدم او الماهيات اللاإقتضائية والحمد لله رب العالمين.