حضرة العلامة الفاضل الاستاذ الشيَخ محمد كاظم ال شبير الخاقاني (دام عزه ومجده)
ما هو فهمكم للآية الكريمة (وابيضت عيناه من الحزن)هل هو العمى كما في كثير من التفاسير ؟وهل ان ذهاب البصر يوجب التنفير ؟
فأن الشيعة اختلفوا في أنه هل يجوز على الانبياء مثل هذا النقص في الخلقة، قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: فقيل: لا يجوز لان ذلك ينفر ; وقيل: يجوز إن لا يكون فيه تنفير ويكون بمنزلة سائر العلل والامراض انتهى. فمن لا يجوز ذلك يقول: إنه ما عمي ولكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا، أو يؤول بأن المراد أنه غلبه البكاء وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، ومن يجوز ذلك يحملها على ظاهرها، والحق أنه لم يقم دليل على امتناع ذلك حتى نحتاج إلى تأويل الآيات والاخبار الدالة على حصوله، على
أنه يحتمل أن يكون على وجه لا يكون نقص فيه وعيب في ظاهر الخلقة، والانبياء عليهم
السلام يبصرون بقلوبهم ما يبصر غيرهم بعينه . فالى اي اتجاه يميل سماحتكم ؟ واي نوع من الامراض يتنافى مع الدور النبوي ويوجب نقصا فيهم ؟
الجواب:
كما تعلمون سيدنا الجليل إن الدلالة قد تكون نصاً كما وأنها قد تكون ظهوراً وما نحن فيه في مسألة العمى ليست الدلالة إلا من باب الظهور في الآية الشريفة وهي قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام وبنيه: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) وإن قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام (إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً)لا يدل على ثبوت العمى كصفة ثابتة وإنما يدل على حدوث أمرٍ لشدة البكاء والحزن ولحالة نفسية قد سبب حجب الإبصار كغشاوة وهذا ما قد يحصل لحدوث بعض العوارض الجسدية أو الروحية كشدة الحزن أو شدة الفرح فتجعل السواد بحكم البياض ويأتي البيان من باب المبالغة فلم يكن ذلك عماءً تاماً ليصبح صفةً لصاحبه وطروّ العوارض من مرض أو جرح ولو في معركةٍ حينما يكون السبب معقولاً أو عظيماً لا يعتبر من المنفرّ عند العرف أو العقلاء حيث أن الكلام في أمرٍ يجب أن يعطى عنوان النقص أو يدفع إلى النفور عن الشخص بمنظار العامة وإلا فمثل العمى أو ما هو من قبيله ليس بنقصٍ عند الله تعالى ما لم يمنع كمالاً كما لو فرض أن النقص كان غباءً أو من مساوئ الأخلاق وما نحن فيه حيث أن سبب الغشاوة حزنٌ على وليّ من أولياء الله تعالى إئتمن عليه يعقوب عليه السلام من ليسوا أهلاً للأمانة فراح ليؤنب نفسه على ذلك وكون يعقوب عليه السلام إضافة على العاطفة الدافعة للحزن راح ليرى نفسه لم يقم بتمام الرعاية والحفظ وهو مع ذلك عاش كظم الغيظ مع أولاده فإن ذلك يعد بمنظار العقلاء موجباً للإكبار لا النفور.
نعم لو كان يعقوب عليه السلام أعمى بالولادة أو أصيب بالعمى قبل أن يصبح مرسلاً إلى قومه فإن في مثل هذا الحال قد يقال إن من كان بهذا الوضع لا تندفع إليه النفوس لسماع دعواه لأنهم قد ينظرون إليه أنه دون مستوى الإرشاد لا من قد عرض عليه عارضٌ بعد تمام القوة وعظيم المقام عند قومه ولعله كان في تلك الفترة التي فقد فيها الإبصار كان يعيش بين قومه تمام الكرامة والإحترام كنبيٍ قد صدقوا دعوته.
وأعود ثانية فأقول فيما نحن فيه فإن الذي يبدو للقارئ أن بياض العينين إنما حدث بعد أن رجع الأبناء بخبر بنيامين والأخ الأكبر وهذا زمن قصير لم يستوجب نفوراً بعد كون يعقوب عليه السلام يعيش الكرامة في قومه قد آمنوا به.
هذا كله من حيث الصغرى بمعنى أنّ ما حدث ليعقوب عليه السلام ما كان نقصاً يستوجب النفور لأن المتأمل يجد أن الأمر من باب غشاوة حصلت للعينين والعوارض والأمراض قد تعرض على كل أحدٍ مؤمناً كان أو كافراً ولذا لما علم يوسف عليه السلام أن السبب هو كثرة البكاء والحالة النفسية التفت إلى أن بهزة نفسية قد يرتفع السبب وأن أباه سيعود إلى ما كان عليه ولو كان يوسف عليه السلام جازماً بتحقق العمى التام لما قال (إذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا) بل لدعى له بالشفاء أو أراد من الله تعالى من باب الإعجاز أن يعيد إليه بصره كما وأن الأمر هو كذلك بالنسبة إلى ما يطرو على النفوس وما هو من شأن البصيرة فقد تنتهي فيصبح الشخص عماءً لا رجعة فيه بحيث يصبح يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والحسن قبيحاً والقبيح حسناً لأنه يصبح عماءً وظلمة تامة لا نفاذ للنور إليه وذلك لإنعدام الفطرة وإنتهاء العقل لكن الباطل والشهوات ربما تصبح حجاباً وقد تزول ولو بهزة ضميرٍ قد تستوجب يقظةً وشأن الأجسام كشأن النفوس وما نحن فيه غشاوة أحزان وكثرة دمعٍ مرتبطٍ بأمر روحي ولذا بمجرد أن شمّ رائحة يوسف عليه السلام عاد إلى ما كان عليه لأن سبب الحزن والبكاء قد ارتفع.
وأما النقاش في القضية كبروياً: وهي أن النقص لا يكون من صفة الأنبياء فنقول إنا وإن سلمنا أصل الكبرى لكن قد نشكك في المصاديق وهي أن النقص المنفر لا يكون من صفات الأنبياء لأنه يتنافى والغاية وهي جلب الناس إلى الهدى وسبل الكمال حيث أن الله تعالى يريد من النبي المرسل إلى قومه أن تكون فيه دواعي الكسب والهداية لا الإبعاد والنفور ولذا يلحظ في ذلك حتى حُسن الصوت والوقار والسكينة وكون المنظر مهاباً بما فيه ملامح جمالٍ هي من شأن الرجال لكن مع ذلك كله نقول إن ذلك يختلف باختلاف المنظار وباختلاف حضارات الأمم لأنه من باب تشخيص المصداق بعد تسليم الأمر كبروياً وليس كل نقصٍ هو من موجبات النفور وبالأخص إذا كان النقص الحاصل مسبباً عن حدث يرجع إلى شأنٍ عظيم كفقد عضو في معركةٍ كانت في سبيل الله تعالى كما وأن المنفر يجب أن يكون بحسب العرف والعقلاء وإلا لكان الفقر الذي هو واقع حياة أكثر الأنبياء من المنفرات التي يجب أن لا يبعث الله بتبعها رجلاً فقيرا وبالجملة إن الكبرى وإن كانت ثابتةً بأن المنفر لا يكون صفة لنبيٍ لكن ليس كل نقصٍ هو من المنفرات وبالأخص إذا كان سببه عائداً إلى أمرٍ ومنشأ ديني عظيم ولذا لو افترضنا أن نبياً أو إماماً في معركةٍ يصاب فإن ذلك من موجبات العظم والإكبار وليس من موجبات النفور والإبتعاد وقد أشرنا إلى أن الأمم تختلف باختلاف حضاراتها فيما تراه نقصاً منفراً، نعم ما يعود النقص فيه إلى نقص كمالٍ فإن ذلك لا يكون محلاً للألطاف الإلهية وجعل الشخص نبياً أو إماما من قبل الله تعالى.
و إتماما للبيان نقول إن عدم التمكن من رؤية الاشياء المشار إليها في الآية الشريفة و ابيضت عيناه و آية يأت بصيرا ليس دليلا على العمى فقد تُحجب العين من الرؤية و لو لغشاوة او غمض طرف او مشكلة صحية او ما يكون من دواعي الحجب من شدة الفرح او الحزن كما و أن عدم البصر على افتراضه ان سلمنا انه العمى فهو شأن مصداقي يختلف التعاطي معه باختلاف الأمم و الحضارات فما يكون منفرا عند قوم قد لا يكون منفرا عند قوم آخرين و عليه فنقول ليس عدم الإبصار أو القصر او السواد او ……. هي من مسلمات البشرية الموجبة للنفور , نعم ربما يكون من المسلمات الجسدية الموجبة للنفور الجذام و من المسلمات الأخلاقية الموجبة للنفور ما يسقط الهيبة و المكانة الأخلاقية حتى ولو لم يكن من مساويء الأخلاق كالكذب والكبر و إن سلمنا الكبرى وهي أن ما يكون منفرا لا يكون في الدعاة الى الله لأن المراد منها التأثير على الآخرين بما يمكن ان يكون وسيلة هداية وقرب ولذا لا يصح من عاقل ان يقول ان سواد البشرة من المنفرات و قد بعث الله الكثير من الانبياء والاولياء الى كافة الأمم و منهم الأسود والابيض و الأحمر والأصفر حيث أن من يجعل مثل هذه من المنفرات لا يكون إلا لعدم اعتدال او سوء تربية او غيرها من دواعي الخروج عن المقاسم المشتركة البشرية بروح الزهو و الخيلاء و من المعلوم ان الكلام في النقص و المنفر بما يكون مسببا لعدم التمكن من حمل اعباء الرسالة وهذا النقص لا يعقل تصوره في نبي او وصي نبي و النوع الآخر من النقص ما يكون نقصا بمنظار طائفة من الناس بروح الخيلاء والعظمة او سوء التربية و هذا لا مانع من وجوده في الدعاة الى الله كاللون و الفقر حيث انه ليس بنقص في واقع الأمر و هناك ما يكون نقصا بمنظار العامة من الناس و يدعو الى النفور وهذا هو الذي يكون محلا للبحث و هو على قسمين منه ما اتفقت عليه آراء البشرية كالجذام و منه ما يكون مختلفا بإختلاف الآراء بتبع الحضارات و الزمان و المكان و الله لا يبعث دعاته الى أمة ترى امرا مستوجبا للنقص بمنظار عقلائي لا منظار الزهو و الكبر.
هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل وهو العالم بحقائق الأمور وإنما نتكلم على قدر عقولنا وما نفهمه من ظواهر الآيات والروايات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محمد كاظم الخاقاني
--
مع تحيات ادارة موقع سماحة الاستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني
من هم المراجع الذين يجوز الرجوع لهم بالتقليد في زماننا هذا برأيكم
إسم السائل : اسيد أبو ابراهيم
السؤال : ال
شيخ الفاضل محمد كاظم الخاقاني, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, تعريفا بنفسي ,انني السيد ابو ابراهيم,عمري ستون سنه باذن الله,متزوج ولي ولد واحد وثلاثة بنات علويات,وانني من المتابعين الشغوفين لآرائكم القيمه في الفترة الاخيره بعدما ظهرتم على قناة الشرقيه,ولي سؤال اتمنا من حضرتكم الاجابة عليه سريعا,وهو: اذا اراد المقلد الان ان يختار مرجعا للتقليد,فمن من المراجع الكرام الموجودينالان نختار برايكم,فان لرأيكم الان عندنامن الاهمية بمكان, وفقكم الله لكل خير, والسلام عليكم ورحمة الله
الجواب :
المحترم المكرم الأخ السيد ابو ابراهيم دام توفيقه
بعد التحية والسلام و الدعاء لكم بكل خير والشكر لما تفضلتم به في رسالتكم الموقرة لحسن ظنكم أقول لحضرتكم أيها الاخ الكريم ان التأمل في حقائق الأمور و واقع الحياة يجعل الباحث وبوضوح يلمس حاجة الأمة الى رجال دين بحق يكونون رُساما لشرع الله تعالى في كافة مجالات الحياة علما و عملا و بالاخص في زماننا هذا الذي كثرت فيه الشبه و إزدادت فيه الإدعائات و قل العمل و انتشر الظلم و العدوان تحت رايات الباطل المتلبس بلباس الحق والدين تارة و أخرى بلباس عصري كالديمقراطية و حقوق الإنسان و غيرها من ألبسة هذا العصر حتى راحت لتيأس الشعوب على اختلاف مذاهبها و مسالكها من كل داعية يدعو الى الحق والعدل و يصرخ بأعلى صوته هلم إلي أيها الناس فأنا من يهديهكم سواء السبيل ومن يدفع عنكم ظلم الظالمين و هو لم يقصد سوى جعل الشعوب جسرا للوصول الى مآربه ومبتغاه مستخدما أجمل و أعذب الكلمات الخلابة للوصول الى منازل أحلامه مع العلم بأنه ما كان ليحصل ذلك لولا ان القيم الدينية و الإنسانية قد أضيعت لإختلاط الحق بالباطل والظلمات بالانوار.
فأيها الأخ الكريم إن الإمة في مثل هذا الواقع الرهيب و البحر المتلاطم لمحتاجة بلا شك ولا ريب الى من يهديها سبل الرشاد و أن يكون بحق صوتها الناطق للحق و المدافع عن كرامتها سعيا لتحكيم أسس العدل و أقول مرة ثانية أجل إن الإمة محتاجة الى رجل او رجال صادقين يعيشون هموم هذه الأمة التي تقطع اشلائها في كل يوم صباحا و مساء في الأزقة والأسواق و في المطاعم والمحافل و في المساجد و الحسينيات و المستشفيات و قاتلها يصرخ بأعلى صوته حين قتلها فخورا (الله أكبر الله أكبر) يتقرب بفعله الشنيع الذي تتبرأ منه حتى الوحوش في الغابات ليصبح بزعمه في جوار الأنبياء والصالحين في جنات النعيم و آخر قد راح يسلب الناس عقولها قبل ان يرمي بها في الشوارع اجسادا هامدة رافعا شعار الديمقراطية و الحرية او العروبة او غيرها من شعارات هذا العصر بما أوتيت هذه الشعارات من رنين و حسن نسيج العبارات مكرا و زورا و خداعا للشعوب.
و لا أظن أيها الاخ الكريم ان تبديل الاحوط بالأولى في رسالة عملية لفقيه و بدفع قدر من المال الى وكيل مرجع في أقصى هذه المعمورة تحل مشكلة هذه الأمة و تخرجها مما تعيشه من المأساة علما و تدفع عنها بذلك ظلامة الظالمين فالأمة بحاجة ماسة الى من يعيش معها واقع مأساتها في أكواخها و مواطن احزانها مع الأرامل والأيتام و في محافلها هاهنا او هناك ليشهدها و هي تعيش انينها و حنينها و فقرها و دمعها و صراخها في زنزاناتها ليرد عنها ظلم الظالمين و شبه المضلين بحيث يكون ابا حنونا يهتز من اعماق وجوده لهذا الواقع الحزين المرير و لقد كان رسول الله (ص) طبيبا دوارا بطبه يعالج ما تحتاجه الأمة علما و عملا و كان علي عليه السلام و هو أمير المؤمنين يجلس جلسة الفقير في دكان بايع تمر في سوق الكوفة ليعرف كل قريب و بعيد اذا شاهد عدل الله و اسد رسوله (ص) مابين الجماهير أن العدوان على الخلق له من يرصده وهو ذلك الشخص الذي احمى حديدة لأخيه البائس الفقير حينما توهم ذلك الأخ ان قرب النسب قد يكون شافعا له للقمة عيش على حساب الأمة قبل تقسيم الأموال بالعدل على الأمة و لقد كان علي عليه السلام أيضا من كتب رسالة الى واليه في البصرة يتوعده و يخوفه يوم الحساب و ما كان ذنبه إلا لانه دعي الى مأدبة قد حضرها المترفون و غض الطرف فيها عن البؤساء والمحرومين و ما كان قد حضر مجلس لهو او خمور وهو عليه السلام من فر من عدله ابن عمه لما علم ان عدل علي عليه السلام ينتظره في الكوفة ليجيب عن كل درهم ودينار امتددت إليه يده على خلاف حكم الله تعالى.
فأيها الأخ الكريم من وجدتم من رجال الدين يعيش أحزان هذه الأمة في أزقتها و اسواقها و مدنها و قراها و اكواخها و هو مع ذلك عين على وكلائه يراقب اعمالهم و يحاسبهم على كل درهم و دينار فإتخذوه لدينكم و دنياكم وسيلة و استعينوا به لتحقيق الحق والعدل فمثل هؤلاء الرجال مصداق لقول الإمام المهدي (عج) : (و أما الحوادث الواقعة فإرجعوا فيها الى رواة حديثنا) و الحوادث كما هو معلوم ليست حكما شرعيا يُكتب في رسالة عملية بل هي واقع حياة الأمة في كافة المجالات أي ان صاحبها يعيش هموم الأمة شارحا شرع الله و مواسيا الأمة في سرائها و ضرائها و بالحق ايها الأخ الكريم يُعرف الرجال كما قال رسول الله (ص) : (إعرفوا الحق تعرفوا أهله) و المرجع من ترجع إليه الأمة في جميع المواطن علما و عملا و يعيش مع الأمة حياتها بلا واسطة زيد او عمرو و هو حمل ثقيل و تكليف صعب يحمله كل رجل دين نصب نفسه للناس إماما و مرجعا و ليس التقليد تقديسا للرجال في مواطن صرح الخيال او تبركا بجبة او عبائة و التقوى واقع يرسمه عمل العامل في مواطن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على صعيد الشرع القويم لا أمرا بمعروف في صلاة و نهيا عن منكر في شرب خمر فقط و تركا لبقية الشريعة يُتعدى على الحق فيها في مواطن العلم و على الأمة فيها في مواطن العدل و لا ناقد ولا متكلم و الأمة تُفترس بأيدي الذئاب و الشرع يُشوه بأيدي الماكرين و كأن رجل الدين فوق الحق والعدل معا و ما كان أنبياء الله تعالى و أوصيائهم الكرام على جلالة قدرهم فوق العدل او الحق و قد راح ليدعي المدعون ان هذه من السياسة و ليست من وظائف العلماء و رجال الدين في حين أنه قد كان الأبرار و الصديقون على طول التأريخ صرخة حق في مقابل باطل و ثورة عدل في مقابل ظلم.
فكفى تقديسا للرجال على حساب شرع الله عزوجل و كفى صمتا ونحن نشاهد الأمة تفترسها الذئاب باسم الدين تارة و باسم الديمقراطية و الحرية و غيرها من العناوين تارة اخرى وليس هذا ادعاء على احد او على حكم قائم في البلاد الإسلامية بل هو واقع عشته حياة طويلة في كثير من البلاد و شاهدت كيف تعيش الأغلبية الصمت عن بيان الحق و كيف السكوت عن ظلم الظالمين تحت ذرايع شتى متلبسة بلباس الزهد والتقوى و قطارات من العناوين و التوجيهات و المجوزات و المبررات.
فسيدنا الكريم من عاش حياة رسام شرع الله تعالى علما و عملا بشهود سيرتهم العطرة التي هي ثورة ضد الباطل والظلم و هم الأنبياء العظام و اوصائهم الكرام و من نهجوا نهجهم بحق و صدق كأبي ذر و مالك الأشتر و حجر بن عدي و غيرهم من الأبرار سوف يجد الأمر جليا واضحا ماهي وظيفة العلماء و رجال الدين و سوف يميز بالحق رجال الحق و يبتعد عن التقديس إلا فيمن وجهدهم مصداقا لهذا الواقع وهو واقع بيان الحق و الدفاع عن العدل في كافة مجالات الحياة علما و عملا وليس كل ما يُعرف يقال ولكن كفى بالشرع بيانا للحق و أهله حيث يقول الرسول (ص) :(الساكت عن الحق شيطان أخرس ) و (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) و (ومن اصبح و لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) و حيث قال علي عليه السلام : (قد أخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم) .
أجل إن تقديس الرجال و اكبارهم ليس بعدم تواجدهم بالاسواق والشوارع و الحدائق وما بين الناس في مدنهم و قراهم بل بشهودهم يعيشون حياة الأمة و يلمسون مأساتها في اكواخها و يشاهدون بحور مدامعها الجارية في ليالي بؤسها و إن الآيات و الروايات الواردة في حرمة كتمان الحق و السكوت عن الظلم والظالمين لا تعد ولا تحصى و أعود و أقول بالحق يعرف رجال الحق و عليه فمن وجدتموه مصداقا للعالم العامل المطبق لسيرة الأنبياء والأولياء فاتخذوه لدينكم و دنياكم سبيلا و لا يجوز تركه و تقليد العلماء الماضين و إلا فالعمل على صعيد الاحكام الشرعية بفتوى بعض العلماء الماضين و صرف الاموال على الفقراء و الأرامل و الأيتام و المشاريع الخيرية التي تكون بايد امينة لهو خير من تقليد من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر على صعيد شرع الله بتمامه لا شرعا مجزءا و اي منكر أعظم من السكوت عن الحق و ظلم هذه الأمة تحت ذرايع شتى في حين ان العدل هو الغاية من بعثة الأنبياء و ما اشارت إليه الروايات من لزوم تحقيقه في زمن ظهور مهدي آل محمد (عج).
و هناك على موقعي الشخصي مواطن من البيان قد يكون فيها مزيدا من الفائدة فإن تفضلتم فارجعوا إليها و من هذه المواطن ما شرحته في المحاضرة الأولى في شرح الخطبة الشقشقية ومنها ما هو موجود في قسم الأسئلة و اجوبتها و عنوانه (هل يجوز تقليد الميت ابتداءا ام لا) وهو في قسم المعارف الإسلامية ومنها ايضا سؤال سائل يقول (من هم المراجع الذين يجوز الرجوع إليهم ) ومنها (ما هي ويظفة المسلم الطالب للدين ) ومنها (هل الحق يعرف بالرجال ) ومنها (لمن نرجع بالتقليد بعد والدكم رحمه الله).
هدانا الله و إياكم الى صراطه المستقيم و ابعدنا عن تقديس الرجال على حساب الدين إنه ولي التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--
مع تحيات ادارة موقع سماحة الاستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني
التوقيع المشهور الذي رواه اسحاق بن يعقوب عن الحجة (عج) : «قال : سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عج) : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ـ إلى ان قال ـ وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»
1- هل الحديث صحيح سندا ومتنا
2- وهل يقتضي الحديث الولاية المطلقة للفقيه
3- عل يمكن شرح الحديث بشكل مفصل
أفيدونا سماحتكم من غزير علمكم ولكم مني جزيل الشكر والتقدير
الجواب :
ولدنا العزيز ان التوقيع الشريف الوارد عن الحجة (عج) مما اتفقت على اعتباره آراء علماء الشيعة و هو عندي معتبر بلا شك و لا ريب فلا تردد في كونه من الأدلة في المقام لإرجاع الناس الى أهل الخبرة و العلم حتى لا يقعوا فريسة بأيدي الجهال و المنافقين و وعاظ السلاطين و الحكام الظلمة و إن وقع بعض الإختلاف من بعض العلماء في المراد من الحوادث لكن ظاهرها الإطلاق الشامل لكل حادثة وعليه فيجب التأمل للمراد من هذا التوقيع و من غيره من الأدلة التي امرت برجوع الجاهل الى العالم في كل موطن حيث تصبح مثل هذه الادلة و غيرها من الأدلة الدالة على تقليد العلماء ارشادا لواقع امر ادركه العقل السليم من لزوم الرجوع الى العلماء و اهل الاختصاص في كل ما جهله الناس و لذا راح ليرجع المريض الى الطبيب و الراغب في البناء الى المهندس و المعمار و عليه فالمهم في المقام ان تحدد مواطن الحاجة الى اهل الخبرة و العلم و ان تُعرف حدود الولاية و ان يلتفت الباحث البصير الى الغاية من جعل الولاية في اي موطن جُعلت من قبل الشرع كولاية الأب و الحاكم و القاضي و الزوج كما و ان الذي أراه ان المستفاد من قوله (عج) : (و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة الله) أنه مقام ارشاد لواقع امر و لا ربط له بمسألة التقليد للوصول الى الحكم الشرعي الذي يتوصل إليه المقلد بالرجوع الى الرسائل العملية المستدل عليه بعدة أدلة التي منها (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه او لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه و ذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم فإن من ركب من القبائح و الفواحش مركب فسقة علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة ….) كما و أن هناك احاديث اخرى قد استند إليها الأعلام في مسألة التقليد أظنها جميعا حتى ولو لم تبلغ مرتبة القطع سندا و دلالة إلا أنها إرشاد لما قام عليه مبنى العقلاء و ما أرشد إليه العقل من وجوب رجوع الجاهل في كل شيء الى العالم به.
فنقول تمهيدا لتوضيح بعض المطالب قبل التعرض لمورد السؤال و الإجابة عنه ليصبح الجواب في مورد التساؤل مبنيا على اسسه العلمية من أن المراد من الولاية التي جعلها الله لبعض عباده نبيا كان او من سائر الناس كولاية الأب مثلا ان المراد منها تحميل الولي مسؤولية و ثقلا و تكليفا و ليست سلطانا و هيمنة و منصبا قد جُعل من الشارع لأحد على احد لأن الولاية هي ملاحظة مصلحة المولى عليه كملاحظة مصلحة الطفل بواسطة ابيه حيث أنه اقدر منه بالقيام بهذه المهام و كذا هو ما يراد من ولاية النبي (ص) بالنسبة الى أمته او الحاكم و الزوج و القاضي بالنسبة الى المتخاصمين و إذا كان الأمر كذلك فلا تخرج الولاية من إطارها و حدودها لترسم مصير أمة و لتصبح تحكّما في إرادتها و قد كان من هو اعظم خلق الله محمد (ص) يشاور الناس في جميع ما يرجع الى شؤونهم و واقع حياتهم حربا و سلما و عليه فنقول أين الفقيه من هذه الولاية لتكون له الولاية بما يتجاوز أمر تطبيق الرسالة و حفظ حقوق المجتمع بما يحاول البعض ادعائه ممن ذهب الى القول بالولاية المطلقة للفقيه التي سأبين المراد منها و ما عليه علماء الشيعة قاطبة من خلافها حيث ذهبوا طلية هذه القرون الى القول بالولاية الوسطى او الصغرى او ولاية عدول المؤمنين و سأبين ذلك في رسالة اخرى تتميما لهذا البحث ان احببتم مزيدا من التوضيح حيث أرى ان الكثير من أتباع آل محمد (ص) لم يلتفتوا الى ذلك ظانين ان من لم يقل بالولاية المطلقة التي جعلت اساسا في ايران بعد الثورة هو يريد النيل من علماء الشيعة و ما فرض الله لهم من سعة هيمنة و سلطان على الناس في حين أن القول بالولاية المطلقة على مر القرون من زمن الغيبة الكبرى الى الآونة الأخيرة كان يعتبر قولا شاذا و كان الأعلام في كتبهم و محافل تدريسهم يمرون عليها و على ما يدعى من دليل لها مرور الكرام لما يرونه من ضعف لأدلتها و أنها لا تثبت الولاية المطلقة و لو بنحو الإيماء و الإشارة فضلا عن ان تصبح دليلا يستند إليه و ربما تعرض لها الكثير من الأعلام حينما كنا نحضر بحوثهم بنحو من الإستغراب و اعتبرها آخرون نسيجا من عناكب الأوهام تدفع الى القول بها روح الهيمنة و الزعامة و الرئاسة التي تجعل من الخيال عروشا و صروحا عظيمة كما و أنه لابد من الإلتفات الى أن الحوادث هي ما يحدث في الخارج من الموضوعات و هي تختلف بحسب هويتها و حقيقتها عما يتوصل اليه الفقيه في استنباط الأحكام الشرعية في علم أصول الفقه الذي تستند إليه الرسائل العملية للفقهاء و ترجع إليهم عامة الناس فيها حيث أنه ليس من شأن كل احد ان يستنبط حكما شرعيا من ادلته التفصيليه.
و عليه فنقول ان كلمة الحوادث لا ربط لها بالأحكام الشرعية المستنبطة للفقيه حيث ان ما يكتب في الرسائل العملية لا يسمى عرفا ولا لغة بحادث او حوادث بل الحوادث كما قلنا كلما يحدث في الخارج كما هو المشاهد اليوم من الحوادث الواقعة في البلاد الإسلامية حيث تحتاج الناس في مثل هذه الظروف الى من يرشدها الى الصواب في ظلمات الدهور لبيان الحق في مقابل الباطل ليعيش الناس بصيرة علم و كذلك من يهديها الى ما يدفع الى تحقيق العدل حيث انهما حقان ثابتان في كل الشرائع السماوية لانها شرايع الحياة و قد اخذ الله على العلماء ان يبينوا ذلك ليخرجوا الناس من الظلمات الى النور بعد ان يكون الانسان العالم قد عاش كتاب الله المجيد و سنة نبيه الكريم و سيرة اوليائه المعصومين اضافة الى ما تعرضنا له من استنباط الاحكام الشرعية التي تتعرض لها الرسائل العملية حيث ان الاسلام و جميع الرسائل السماوية دعت الى اقامة العدل حتى اصبح العدل عند الإمامية من اصول الدين و قد قال تعالى : (لقد ارسنا رسلنا بالبينات و انزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…) أي العدل و ليست الشريعة مجزأة على قدر ما يكتب في الرسائل العملية و بدفع الحق الشرعي الى الفقيه الذي يرجع اليه الإنسان بالتقليد بل هي شريعة الحياة و الكرامة لبيان الحق و السعي للعدل و هذا ما يشير إليه التوقيع الشريف بقوله : (و أما الحوادث الواقعة..) حيث تحتاج الناس الى عالم بكتاب الله و سنة نبيه و معرفة سيرة اولياء الله عليهم السلام من الأنبياء و اوصيائهم الكرام ليعيش المسلم المؤمن حقا واقع الشريعة و لكن ذلك و مع كل الأسف ما هو مهجور و متروك في ديارنا الإسلامية و لذا عاش أكثر الناس جهلا بواقع الشرع حينما خلت ميادين العلم و العمل ممن من شأنه ان يحيي هذه الأمة و راح ليصول و يجول في ميادينها وعاظ السلاطين و الحكام الظالمون.
وكيف لا و قد قامت شرايع السماء على حق في مقابل باطل و عدل في مقابل ظلم بما يربط الإنسان بربه و بما يربطه بالخلق قربا الى الله تعالى بزكاة النفس و الكمال و خدمة للخلق بالتعليم و دفع الظلم عن العباد و هذا ما اوجبه الله تعالى على علماء هذه الأمة بأزاء ما يجري من تهجير و ظلم و لو تحت ذرايع دينية و مظاهر اسلامية حيث ان كل انسان فضلا عن العلماء مسؤول عن هذه الأمة كما أشار الرسول (ص) : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) و كما قال أيضا من أصبح و لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم و قد قال أيضا (إعرفوا الحق تعرفوا أهله).
وبالجملة إن وراء التقليد لمعرفة الأحكام الشرعية حلية و حرمة هناك ما هو على صعيد اوسع بما يعم الشريعة بتمامها علما و عملا و هو ما يشير إليه التوقيع الشريف عندما كانت المشيئة الإلهية بعد الغيبة الكبرى أن يجعل العلماء الربانيين خلفاء الرسل و الأئمة الطاهرين بما كان يقوم به اؤلئك العظماء من عظيم أمر لإخراج الناس من الظلمات الى النور و بالسعي الدؤوب لدفع الظلم و تحقيق العدل ,الأمر الذي أصبح في الآونة الأخيرة أو في القرون المتأخرة يعتبر بمنظار العامة و الحوزات سياسة ينبغي الا يتدخل فيها رجال الدين و قد كانت السياسة بمنظار الأئمة الأطهار طلب الزعامات و الرئاسات لا ما هو من موازين الشرع و أسسه و قيمه النبيلة التي هي الشرع بأبعاد الكلمة غير المجزأ و المبعض و المحجم بإطار طهارة و نجاسة و بيان حكم فرعي لصلاة او صوم لكي لا تصبح الشعوب تعيش الغفلة عما كلفها الله تعالى به مما هو من شأن إلهي او اجتماعي و إن من المعلوم انه لا تسمى الأحكام الشرعية كوجوب الصلاة و حرمة الخمر بالحوادث و ما ذاك إلا لتعيش الأمة دائما حسن القيادة بالنسبة الى كل حدث يقع و لكن لما تُرك هذا الواقع عاشت الأمة ضياعا و قد قال رسول الله (ص) : (من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) و أي أمر و شأن يعود لعامة المسلمين بالنفع هو اهم و اعظم من اخراجهم من الجهل الى نور العلم على صعيد الشريعة بتمامها لا على صعيد الرسائل العلمية و كذلك اي أمر هو أهم من السعي لتحقيق العدل بالدفاع عن المظلوم بأزاء أي عدوان من الظالمين.
و إن من الواضح ان كل انسان لولا حجب الظلمات و قطارات المبررات فإن على نفسه بصيرة يعرف بها الحق من الباطل لكن القيام بواقع التكليف بأبعاده الواسعة علما و عملا امر ثقيل و إن طريق الحق قليل سُلاكه كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : (لا يوحشنك طريق الحق لقله ساكليه او لا تستوحش طريق الحق لقله سالكيه) وقد قال الامام الحسين عليه السلام حكاية عن واقع المجتمع في كل زمان و مكان و إن كثرت المظاهر و الإدعائات (الناس عبيد الدنيا و الدين لعق على ألسنتهم يحطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون) و بعد هذا التمهيد نقول بالنسبة الى ما سألتم عنه من كون التوقيع الشريف هل يدل على الولاية المطلقة للفقيه ام لا ؟
فأقول إنه قد إتضح مما أوردناه بالنسبة الى التوقيع الشريف إنه إنما يشرد بالرجوع الى أهل الخبرة من الرجال الأتقياء العلماء الذين يعيشون حياتهم مع الكتاب والسنة و السيرة لأولياء الله تعالى و على رأسهم سيرة النبي محمد (ص) و آله الأطهار ليكون ذلك السالك سبل ربه بأبعاد العلم و العمل العارف لموازين الحياة بشهودها بسيرة عظماء الخلق خير دليل للناس عند مزالق الأقدام و ظلمات الدهور و تشابك الشبه ليكون ملجأ عند حدوث الحوادث لتعيش الناس مع قياداتها السليمة مناهج الأنبياء في كل ما تحتاجه الحياة على صعيد شريعة هي شريعة الحياة لا شريعة أحكام تحدد مداها الرسائل العملية على الرغم من واسع شرع الله تعالى بما له من أصول الدين و واقع السير و السلوك الى الله تعالى ليرتبط العبد السالك سبل ربه بالخالق معرفة و بالمخلوق خدمة لكن ايها الولد العزيز مع غض الطرف عما آراه بالنسبة الى هذا التوقيع الشريف الذي يرشد الأمة الى واقع الحياة و كيف التخطي فيها الى حياة الكرامة أقول إن الإستدلال بولاية الفقيه او التقليد يجب ان يكون في صعيد آخر من الأدلة و ليس ما يدعى من الوصول الى ذلك بواسطة هذا التوقيع الشريف لأنه إنما يستفاد منه الإرشاد الى الرجال الذين يقودون المجتمع الى مسالك السلام و رضوان ربهم عند اشتباك أزمات الدهور و لو افترضنا جدلا انه يدل على ولاية للفقيه فهو إنما يثبت اصل الولاية ولا يحدد مداها أنها على نحو الولاية الصغرى او الوسطى او المطلقة المدعاة او ولاية عدول المؤمنين فالتوقيع الشريف إنما يأمر بأصل الرجوع الى العلماء الراسمين للأمة شرع الحياة حيث يحتاج الأمر وراء ذلك الى دليل آخر يحدد حدود هذه الولاية سعة و ضيقا ولا يمكن تحديد الأمور بالرغبات و الأهواء و دواعي الرئاسات ولا بإطلاقات الأدلة الشرعية و قد اشرت في كثير من المواطن الى ان ما قام عليه مذهب التشيع منذ زمن الغيبة الى الآونة الأخيرة لولا الضخ الإعلامي المسند بالقوة من قبل بعض اصحاب المصالح فإن المعتبر لدى علماء الشيعة قديما و حديثا إنما هو القول بالولاية الصغرى او الوسطى و بعد ذلك في المرتبة القول بولاية عدول المؤمنين و إن كان المؤمن لا تكون له الولاية مالم يكن عادلا عالما ولسنا كما ذهب ابناء العامة من القائلين بالولاية ولو للفاسق الجائر كما صار ذلك مسلكا لهم بتأييدهم للحكام و صياغة أحاديث تأمر بطاعتهم ولو سلبوا الناس اموالهم و ضربوا ظهورهم و أما القول بالولاية المطلقة التي أصبحت قوام حكم في إيران فكانت تعتبر من شواذ الأقوال فكيف يمكن ان يدعى بعد ذلك أن التوقيع الشريف او غيره يثبتها و هو غاية ما يدعى فيه اثبات اصل الولاية ولو احببت ايها الولد العزيز تفصيل الحديث في مسألة الولاية للفقيه على اختلاف المسالك فيها وما المراد من ولاية عدول المؤمنين فسأبينها بمسالكها الأربعة لك إن شاء الله تعالى أزادك الله حبا لمعرفة الحق و وفقك لكل خير مع التحية والسلام لك و لجميع الاهل و الإخوان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--
مع تحيات ادارة موقع سماحة الاستاذ الشيخ محمد كاظم الخاقاني